لا شك أن «البيت الأبيض» هو المكان الذي تتطلّع له الأنظار في العالم اليوم باعتباره مقر رئاسة رؤساء الولايات المتحدة الأميركية منذ قيامها حتى اليوم. وهو بالتالي المكان «الأكثر إستراتيجية» وهذا يتطلّب أن يكون بالتالي أحد أكثر مراكز العالم سريّة، من حيث ما تخبئه جدرانه من «أسرار».
و«أسرار البيت الأبيض» هو عنوان كتاب الباحثتين الفرنسيتين «نيكول باشاران»، صاحبة العديد من الكتب حول الولايات المتحدة الأميركية، و«دومينيك سيمونيه»، التي قدّمت مع المؤلفة كتابا سابقا عرف نجاحا كبيرا لدى القرّاء تحت عنوان « 11 سبتمبر، يوم الفوضى».
المادّة الأساسية لهذا الكتاب تجدها المؤلفتان في كمّ كبير من الوثائق التي كانت من أكثر أسرار العالم محافظة عليها وصونا لها من أنظار الرأي العام. تلك الوثائق تمّ رفع «السريّة» عنها منذ فترة وجيزة وتخصّ مذكرات كان قد كتبها رؤساء أميركيون سابقون ووثائق أراشيف تعود للأجهزة السريّة الأميركية والعديد من المحادثات «الخاصّة» التي تمّ «التقاطها سرّا» كانت قد دارت في «المكتب البيضاوي» بالبيت الأبيض، أي في المكتب الرسمي لرئيس الولايات المتحدة الأميركية.
وفي جميع الحالات تدعو المعلومات التي يتم «الكشف عنها» إلى إعادة النظر بعمق في العديد من القناعات «الثابتة حتى عهد قريب حيال الأفكار التي كانت سائدة عن بعض رؤساء أميركا الذين كانوا بمثابة «رموز» أو «أيقونات» التاريخ الأميركي كلّه.
فمن يعرف مثلا أن الرئيس الأميركي توماس جيفرسون كان هو الذي كبح في عام 1803 «حلم نابليون بونابرت بإشادة إمبراطورية فرنسية على الأرض الأميركية؟».
ومن الكلمات ــ المثيرة للدهشة ــ التي تنقلها المؤلفتان عن الرئيس الأميركي ابراهام لنكولن، قوله مخاطبا الجميع ما مفاده : «لماذا ينبغي على أولئك الذين ينحدرون من أصول إفريقية الرحيل واستعمار بلد آخر؟. سوف أقول لكم. أنتم وأنا ننتمي إلى عرق مختلف. وبيننا وبينهم خلافات أكثر من أي عرق آخر. أمّا إذا كان ذلك صحيحا وعادلا فهذا ما لن أناقشه. لكن هذا الفرق الجسدي ــ في اللون ــ هو مشكلة كبيرة بالنسبة لنا جميعا، ذلك أنني أعتقد أنكم تتألّمون كثيرا من العيش بيننا بينما أن عرقنا يتألّم كثيرا هو الآخر من وجودكم بيننا. بكلمة واحدة نتألّم في الطرفين.. وإذا كنا نقرّ بذلك فهذا يشكّل على الأقل سببا لانفصالنا».
ما تؤكّد عليه المؤلفتان هو أن مثل هذه الكلمات تتعارض تماما مع الصورة التي سادت لدى الأميركيين عن الرئيس ابراهام لنكولن «رمز الحرية والتحرر» في أميركا والذي يقال ويتردد أنه دفع حياته ثمنا للمعركة التي خاضها من أجل وضع حد نهائي للعبودية.
وتذهبان أبعد في شرح ذلك بالإشارة أنه في عام 1862 عندما كانت الحرب الأهلية الأميركية تعيث قتلا وخرابا في الولايات المتحدة «غير المتحدة » آنذاك، حسب تعبير المؤلفتين، بعد عامين من انتخابه رئيسا، قام باستدعاء وفد من الزعماء السود إلى البيت الأبيض، وخاطبهم مباشرة بالقول بعد جلوسهم في مكتبه: «على السود أن يغادروا الولايات المتحدة الأميركية«. ثم أخبرهم في مكتبه أن الكونغرس وضع «تحت تصرّفه» مبلغا من المال من أجل «مساعدة أولئك الذين ينحدرون من أصول إفريقية على استعمار أي بلد آخر يقع اختيارهم عليه».
