نالت باكستان استقلالها عن الهند عام 1947. وكان عليها اعتبارا من تلك اللحظة أن تبني دولتها ومؤسساتها في جميع الميادين. ذلك على عكس الهند التي كانت مزوّدة بجميع المؤسسات التي تتطلّبها الدولة التي ورثت الكثير منها عن الحقبة الاستعمارية البريطانية. والمؤرّخة الباكستانية الشابّة «عائشة جلال» المولودة في «لاهور» بباكستان والتي تحمل الجنسية الأميركية وتقيم في مدينة بوسطن.
عملت أستاذة للتاريخ في جامعات وسكنسون ماديسون وهارفارد وكولومبيا وتافتس بالولايات المتحدة وفي جامعة لاهور بباكستان. مختصة بتاريخ البلدان ذات الأغلبية المسلمة في منطقة جنوب شرق آسيا، وتكرّس كتابها الأخير ــ كانت قد قدّمت ثمانية كتب سابقة ــ لما تسميه «الصراع على باكستان» حسبما يقول عنوانه وذلك من زاوية العلاقة بين «وطن مسلم والسياسات الدولية»، كما جاء في العنوان الفرعي..
وكانت عائشة جلال قد وصلت إلى نيويورك عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها، حيث كان أبوها يعمل في بعثة باكستان بمنظّمة الأمم المتحدة. وكانت أطروحتها لنيل الدكتوراه من جامعة كمبردج حول «تاريخ باكستان». ذلك التاريخ لم يغادر أبدا اهتمامها كباحثة وكأستاذة جامعية.
ما تؤكّده المؤلفة هو أن باكستان، بالإضافة إلى حالة التوتر المستمر التي تعيشها على المستوى الداخلي، تعاني من حالة توترات مستمّرة على صعيد علاقاتها الخارجية. ذلك ليس مع دول الجوار فحسب، ولكن أيضا مع الحلفاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية.
ومما يتم التأكيد عليه في هذا الإطار هو أن باكستان تعيش حالة مواجهات مباشرة مستمرّة ويتزايد إيقاعها بين فترة وأخرى. فهناك خلافات حدودية «مزمنة» مع أفعانستان، ونزاع مع الهند حول منطقة كشمير الحدودية بين البلدين. وهو نزاع لم يتوقف منذ استقلال البلاد عن الهند عام 1947 ويغدو أحيانا «نزاعا مسلّحا».
هكذا كان سببا في حربين مفتوحتين خلال عامي 1947 و1966. وفي جميع الحالات ترى المؤلفة ــ المؤرّخة أن «عداء باكستان للهند» غدا بمثابة الحجّة الأكثر «فائدة» للعسكريين الباكستانيين الذين اعتبروا أن الجار الهندي يشكل مصدر تهديد دائم، وبالتالي أصبح مطلوبا باستمرار توفير «البعد الأمني». وليس غريبا في هذا السياق أن تحظى «الميزانية العسكرية الباكستانية بنسبة 90 بالمائة من مجمل ميزانية البلاد سنويا»، كما نقرأ.
من جهة أخرى يتم التأكيد أن المناخ الذي تخلقه النزاعات الداخلية والدولية ولّد نوعاً من الإحساس العام بوجود «حالة حصار» تشكّل باستمرار أرضاً خصبة لازدهار ذهنية القمع والتطرّف. ذلك على حساب تفتّح «هوية باكستانية» في إطار مستقر وبعيد عن التوترات والنزاعات. هذا في الوقت الذي تؤكّد فيه المؤلفة أن بناء مؤسسات الدولة في باكستان وقبول التعددية هو «مسألة ضرورة»... وأكثر مما هو «مسألة خيار».
وفي محصلة التحليلات التي تقدّمها عائشة جلال عن المسار التاريخي الذي عرفته بلادها الأصلية، باكستان، منذ استقلالها حتى الفترة الراهنة ترى أنها أحد أكثر بلدان العالم «ارتهاناً بماضيها».
