على مدى عقود عديدة جرى تقديم القارّة الإفريقية «السوداء» على أنها مرادف للفقر والبؤس ومختلف أشكال الضعف الاقتصادي والسياسي. ومنذ سنوات قليلة تغيّرت لهجة الحديث والتوصيفات حيال هذه القارّة التي غدت عنوانا للنهوض، بل لا يتردد البعض في القول إنها ستكون أحد «تنّينات» العولمة في المستقبل غير البعيد، وعلى غرار الاتنينات الآسيوية سابقا.

لكن هل انطلقت إفريقيا حقا؟، هذا هو السؤال الذي اختارته سيلفي برونيل، الأخصائية في الجغرافيا والاقتصاد، عنوانا لكتابها الأخير. وهذا السؤال بصيغة الاستفهام يبدو في إطار مجموعة من التساؤلات والدراسات حول الواقع الإفريقي اليوم وأفق تطوره مثل كتاب سابق للمؤلفة تحت عنوان إفريقيا، قارّة للتنمية الممكنة وعناوين أخرى على شاكلة وماذا لو رفضت إفريقيا التنمية؟ «والانطلاقة السيئة لإفريقيا»...الخ.

الميل العام لتوجهات تحليلات سيلفي برونيل يتمثّل في «التخفيف» من مقولات التفاؤل «المبالغ فيه السائد منذ سنوات»، كما تكتب، حول النهوض الاقتصادي للقارّة الإفريقية، وما يعني جغرافيا تحديد البلدان الواقعة جنوب الصحراء غير العربية والمتعارف عليها بتسمية «إفريقيا السوداء».

وتركّز المؤلفة بأشكال مختلفة على القول ان إفريقيا قارّة غنيّة بمواردها. وهي تقدّم الكثير من الأرقام والإحصائيات التي تشير إلى ذلك. هكذا نفهم أن الأرض الإفريقية تحتوي على 95 بالمائة من مادة «البلاتين» في العالم و75 بالمائة من الفوسفور و50 بالمائة من الكوبالت وسلسلة طويلة من الأرقام ذات الدلالة الواضحة على «الثراء الإفريقي» بالمواد الأوليّة وبالمعادن الثمينة.

بالتوازي تمتلك إفريقيا نسبة 50 بالمائة من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم، لكن التي لم يتم استثمارها حتى الآن. ثم إن إفريقيا لا تزال تحافظ على نسبة الولادات «المرتفعة جدا» ..

بينما تتناقص نسبة الوفيّات نتيجة لتحسّن السياسات الصحيّة العامّة. وتدلّ التوقعات المقدّمة أن عدد سكان القارّة الإفريقية سوف يتضاعف عمليا من الآن إلى أفق عام 2050 بحيث إنها ستملك «مخزونا بشريا هائلا» ويدا عاملة قابلة للتصدير في وقت تعاني فيه أغلبية مناطق العالم الأخرى من الانحسار السكاني، الديموغرافي.

لكن هذه «الأوراق الرابحة» كلّها، وفي الوقت الذي تتكاثر فيه النعوت التي «تحيي» الصعود الإفريقي من قبل الخبراء الاقتصاديين والمؤسسات الدولية تركّز مؤلفة الكتاب على القول إن هذا الصعود الذي عنوانه زيادة معدلات النمو السنوي إنما هو «زيادة في النمو ولكن دون تنمية حقيقية».

وتعلن «سيلفي برونيل» منذ الأسطر الأولى أنها تريد لهذا العمل أن يكون بمثابة «قرع جرس الإنذار». هذا رغم كل ما يقال ويُكرر حول انبثاق طبقة وسطى جديدة تمثّل عنوان النهوض الإفريقي. وترى أن هذه «الطبقة الوسطى» التي برزت ملامحها في بعض البلدان الإفريقية مثل «جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا» يُفترض أن يتعاظم وزنها في أفق العقود القادمة. والإشارة أن هذا يتعلّق بالدرجة الأولى بـ«توسّع نشاط الأسواق الداخلية».

ومن الظواهر الخطيرة التي تؤكّد عليها المؤلفة، بل وتعتبرها بمثابة «قنابل موقوتة»، هناك ظاهرة «البطالة» التي تصيب خاصّة الشباب. وتكتب أن «60 بالمائة من العاطلين عن العمل في القارّة الإفريقية هم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين سن الخامسة عشرة والرابعة والعشرين».

وترى المؤلفة أن الرهان المصيري بالنسبة للقارّة الإفريقــــية يتمثل في تحقيق تنمية مستدامة تكون ثمراتها للافارقة جميعهم وليس لفائدة فئة قليلة منهم أو لصالح المســــتثمرين الأجانب. ذلك أن «إفريقيا غنية بالموارد والثروات ولكن مسكونة بجموع من الفقراء والمستبعدين ليست قارّة مستدامة»، كما تكتب المؤلفة في إحدى الجمل الأخيرة من الكتاب.