تحظى المسائل المتعلّقة بالصحة عامّة وفي مجال العمل خاصّة باهتمام كبير من قبل الباحثين في مختلف الأمكنة والأزمنة. ذلك أن «الألم الجسدي» هو أحد أكثر التحديات التي تواجهها حياة البشر وأكبر إشارات الاستفهام التي وجد الطب نفسه مأخوذا بمحاولة الإجابة عن أسبابه وطرق معالجته.
الباحثة الأميركية كارين ميسينغ، التي عملت على مدى ثلاثة عقود كاملة في جامعة «مونريال» الكندية وقدّمت العديد من الدراسات والأعمال حول المسائل المتعلّقة بالألم الذي تشكّل الأعمال التي يمارسها الذين يعانون منه سببه الرئيسي، تكرّس كتابها الأخير لدراسة «الألم والآراء المسبقة عنه» الذي تدرس فيه «ما يمكن للعلم أن يقدّمه من معلومات حول الألم الذي يشكل نوع العمل مصدره».
وتركّز المؤلفة على القول أنه من الهام والمركزي «محاولة فهم العمل كما يعيشه الذين يقومون فيه» بعيداً عن مشاغل «الإحصائيات والمنافسات». ذلك في منظور تقريب البحث بأكثر ما يمكن إلى «احتياجات المجتمع» المعني فيه. ذلك بعيداً عن «الأحكام المسبقة» و«الآراء المسبقة» التي تصدر حسب تصنيفات لا تولي أهمية كبيرة للبعد الإنساني.
تنطلق المؤلفة في تحليلاتها من واقعة حقيقية حدثت في أحد «معامل الفوسفات» بكندا عام 1978. وكان العاملون في ذلك المصنع قد أدركوا أن المادّة التي يتعاملون معها «ملوّثة بغبار مشعّ». وما كان من المسؤولين عن المصنع سوى أن طلبوا من كارين ميسينغ مؤلفة هذا الكتاب ومن أخصائي آخر يعمل في حقل المورّثات ــ الجينات ــ المساعدة في معالجة الأمر وتخفيف قلق العاملين.
أمام تلك المهمّة شرعت المؤلفة بالبحث المعمّق حول الأخطار التي يواجهها العاملون في مثل ذلك الميدان. وقامت بلقاء الكثير من العاملين فيه في كندا، كما في مختلف أنحاء العالم. ذلك بغية إدراك مدى الألم الذي يعاني منه العاملون أنفسهم على الصعيد الصحّي، وما يترتب على ذلك من الألم بالنسبة لأسرهم. وتعتبر المؤلفة أن الظروف التي يتم فيها إنجاز العمل لها تأثير مباشر وحاسم على نوعيته وعلى المردود الذي يحققه في مختلف المجالات.
وكانت المفاجأة الكبرى التي اكتشفتها في بحثها أن أولئك العاملين عانوا الكثير من الألم دون أن يلقوا من رجال العلم ومن خبراء الصحّة أيّة مساعدة حقيقية في الوقت الذي كانت مهمّة هؤلاء الرئيسية هي بالتحديد تقديم كل ما يمكن أن يجعل حياة أولئك العاملين «أكثر يسراً وسهولة». وتركّز المؤلفة في هذا السياق على أنه هناك الكثير «من الظلال» التي يساهم رجال العلم وخبراء الصحّة في تشكّلها فيما يتعلّق بالعلاقات في مجال العمل في بلدان مثل الولايات المتحدة وكندا.
وما تؤكّده المؤلفة أيضا في جميع الحالات هو أنه بدلاً من الاهتمام الذي ينصب عادّة على الجانب الكمّي وعلى تحديد «المؤشرات الإحصائية» لما يتعلّق بالعمل والعاملين ينبغي بالأحرى تركيز الاهتمام على «العمل بالطريقة التي يمارسه فيها البشر ويعيشونه وما يقولونه بشأنه وما يتبادلونه من أحاديث حوله». وهذا ما تعتبره المؤلفة بمثابة مقاربة «لما هو غير مرئي وما يكون في أغلب الأحيان في صلب المشاكل التي يعاني منها العمل والعاملون».
