لا تتوقف النقاشات في مختلف البلدان الأوروبية اليوم حول أوروبا «الموحّدة» بنسختها القائمة. وتتباين الآراء وتتعارض إلى هذه الدرجة أو تلك. ومن آخر الأصوات التي برزت في الآونة الأخيرة صوت «غيّوم دوفال» رئيس تحرير مجلّة «البدائل الاقتصادية ــ التيرناتيف ايكونوميك» في كتابه الذي يحمل عنوان «تضيقون ذرعاً بأوروبا هذه؟ أنا أيضاً».

في هذا الكتاب يضع المؤلف تحليلاته بين موقع «النقد الشديد» لما أنتجته الآليات الليبرالية التي تعمل أوروبا القائمة على أساسها من بطالة عن العمل وجمود في الدخل ومن تفاقم الهوّة بين المكونات الاجتماعية وإثارة الشكوك حول المكاسب الاجتماعية وبين رفض الانكفاء بالوقت نفسه نحو التقوقع على النفس باسم مقولات السيادة الوطنية.

وهو يقيم تحليلاته على محاولة تبيين العواقب السلبية الكبيرة التي تترتب على فرنسا في حالة الخروج من «منطقة اليورو»، أي من مجموعة البلدان التي تبنّت العملة الأوروبية الموحّدة. ويشرح أنه على صعيد شرائح كثيرة من الطبقة السياسية الفرنسية بجميع مكوناتها وخاصّة تلك التي تميل نحو التطرّف هناك الكثير من الحجج التي تقال من أجل حرف الاتحاد الأوروبي وحرف «اليورو» عن مسارهما الصحيح.

وفي مواجهة أولئك الذين ينادون بخروج فرنسا من منطقة اليورو يؤكّد غيّوم دوفال، بل يلحّ، على أنه «من أنصار أوروبا الموحّدة»، وكذلك في الوقت نفسه على ضرورة «الخروج من أوروبا ــ السوق».

وإلى جانب رفض تقديم الوضع في أوروبا أنه «ورديّ»، كما يتردد في المقولات «التقليدية»، يشرح أن أوروبا «هذه» تعطي الأولوية لمفهوم «المنافسة» مما يؤدّي إلى «ضعف الاقتصاد» الأوروبي بشكل عام وإلى «نسف أسس النموذج ــ الموديل ــ الفرنسي» الذي يؤكّد في جوهره على أهمية البعد الاجتماعي.

ومن المسائل التي يوجّه المؤلف بصددها هجوما كبيرا على أوروبا بنسختها القائمة تلك المتعلّقة بالسياسة المسماة بـ «سياسة الحزم الصارم» في مجال الضرائب. ذلك أنها بصيغتها القائمة تعني منح الكثير من الامتيازات لفئة قليلة من الأوروبيين الأقوياء على حساب المواطنين العاديين. وفي المحصّلة نجم عن ذلك نوع من «الصورة السلبية عامّة لأوروبا ولآليات عملها» لدى أغلبية الأوروبيين.

ولا يتردد في كتابة أن «تقديم المساعدات لصاحب المصرف الذي يتلاعب على القوانين ومعاقبة المواطن البريء ليس أمرا تبيحه الأخلاق من جهة ولا بدّ من أن يؤدّي إلى تنامي مشاعر التشكيك حيال أوروبا هذه». ذلك إلى جانب «تسهيل تدفّق رؤوس الأموال دون التنسيق الاجتماعي ولا حتى على صعيد الضرائب».

والإشارة أن بحث دول الاتحاد الأوروبي عن سبل «تعزيز قدرتها على المنافسة» بحثت عن تقليص نفقاتها وقلّصت من الضرائب ومن الدخل بحيث كانت النتيجة المنطقية هي «تضاؤل القدرة الشرائية» لدى عامّة الأوروبيين.

في المحصّلة النهائية يصل المؤلف إلى القول إن «الإصلاح الوحيد المفيد والواقعي» الذي يمكن لأوروبا أن تقوم به في السياق الحالي هو تبنّي سياسة اقتصادية وصناعية مشتركة يكون منها أن تؤدّي بالضرورة إلى تنسيق سياسات الموازنة في مختلف بلدان منطقة اليورو وتطلق الاستثمارات. هذا كلّه من شأنه أن يعيد لأوروبا مكانتها الصناعية «الرائدة» التي كانت لها في زمن الثورة الصناعية الكبرى.

وكتاب يحاول مؤلفه أن يشرح فيه كيف وصلت أوروبا، وبالتحديد أكثر منطقة اليورو، إلى الوضع «الصعب» الذي وصلت إليه وكيف يمكنها الخروج منه.