انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 بهزيمة ساحقة لألمانيا النازية بقيادة ادولف هتلر. ولكن لا يخفى على أحد أن عشرات الآلاف من الجنود الألمان الشباب كانوا يقاتلون في صفوف الرايخ الثالث، الجيش النازي. فماذا كان مصير أولئك الشباب وما الوضع الذي عرفوه داخل المجتمع الألماني... ثم من هم؟.

هذا الملف الشائك حول الإرث النازي هو ما يتعرّض له« ميلت هيرويغ»، الكاتب والصحافي ذو الأصل الألماني الذي يساهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات الأميركية والألمانية والإنجليزية خريج جامعات هارفارد وأكسفورد، في كتابه الذي يحمل عنوان «أكاذيب ما بعد الحرب».

والإشارة بداية أنه قبل سنوات صدر للمؤرّخ البريطاني فريدريك تايلور «كتاباً تحت عنوان »التطهّر من هتلر«، حيث كان أحد المحاور الرئيسية فيه يدور حول فكرة أن الغالبية الساحقة من الألمان كان قد خاب أملهم بهتلر وبالنازيين أكثر مما أثاروا كرههم وبالتالي كان الغضب الألماني حقيقيا وصادقا على خلفية خيبة الأمل تلك.

ويشير ميليت هورويغ في هذا الكتاب الجديد، إلى أنه أمضى عدّة سنوات وهو ينقّب في ملفات الحزب النازي وأسماء منتسبيه. وهو يقدّم تاريخ نصف قرن من الإرث النازي في ألمانيا اعتباراً من نهاية الحرب العالمية الثانية. ويشرح أنه كان »أكثر من 8 ملايين ألماني أعضاء في الحزب النازي« عام 1945. بالتالي لم يكن من السهل »معاقبة النازيين« ومن الصعب أكثر التفريق بين »النازيين الجيّدين« و»النازيين الأشرار«.

وتأكيد المؤلف أن تلك كانت من أكثر المشاكل التي واجهتها فترة ما بعد النازية. هذا الكتاب هو، بوجهه الأساسي، نوع من النقاش العلني حول »سرّ كان معروفا لدى الجميع« ومفاده أن النازيين السابقين »لم يتبخّروا في الجو« وأن الكثير من أولئك الذين لم يكونوا في مواقع المسؤولية وليسوا هتلر أو هملر أو غوبلز أو غوينغ أو غيرهم من حملة المشروع النازي وساهموا في القمع والقتل انخرطوا في الحياة العامّة بكل ميادينها ومشاربها. ومؤلف هذا الكتاب يبحث بالتحديد في الكيفية التي سمحت للمعنيّين بـ»تمويه« ماضيهم النازي عن الرأي العام الألماني على مدى نصف قرن من الزمن تقريبا.

هكذا يدرس المؤلف في هذا الكتاب المآل الذي انتهى إليه »جيل ممزّق«، على حد تعبيره، يمثّل »الأكثر شبابا« بين أولئك الذين انخرطوا في الحزب النازي والذين يحدد تاريخ ولادتهم بين عام 1919 وعام 1927 والكيفية التي تعاملت بها ألمانيا مع ذلك الجيل الذي عرف..

كما يشرح المؤلف، مرحلة انتقالية فيها الكثير من الاستمرارية على الصعيدين الشخصي والعام قبل القطيعة الكاملة مع الماضي. الملاحظة الأولى التي يؤكّد عليها المؤلف هو أنه طيلة ما يقارب نصف قرن من الزمن كانت القاعدة السائدة هي الصمت حيال موضوع الجيل المعني من »النازيين« بحيث كان الشعار النافذ هو »لا تطلبوا شيئا، لا تقولوا شيئا«.

بكل الحالات يوجّه المؤلف في نهاية الكتاب ما يبدو بمثابة »نداء« بأنه ينبغي الاستفادة من درس انخراط شباب أذكياء ومثقفين مع النازية »كي نكون حذرين أذا أردنا تجنّب الوقوع في شرك أشكال جديدة من العنصرية والتطرّف اليوم«.