يتفق الباحثون الإستراتيجيون على القول إن منطقة جنوب شرق آسيا تُمثّل إحدى مناطق التوتر الكبرى في العالم اليوم بل وأنها يمكن أن تكون أحد المراكز «المحتملة» لانفجار نزاعات دولية كبرى في المستقبل. ذلك أنها منطقة تعتبرها الصين بمثابة مجال حيوي لأمنها القومي وتراها الولايات المتحدة الأميركية خاصّة والمعسكر الغربي عامّة إحدى مناطق النفوذ التي تحافظ على التواجد فيها. من جهة دفاعا عن حلفائها الإقليميين وفي مقدمتهم اليابان وتايوان ــ الصين الوطنية ـ ومن أجل صد أية محاولة للتوسّع الصيني، من جهة أخرى.
والمحلل الأميركي ورجل الدراسات الإستراتيجية الشهير «روبرت د. كابلان»، صاحب مجموعة من الكتب التي تركت بصماتها على الفكر الإستراتيجي مثل «ثأر الجغرافيا» و«الفوضى القادمة»، يكرّس عمله الأخير لدراسة التهديدات التي يمثّلها «المرجل الآسيوي»، كما جاء في عنوانه الرئيسي .
والذي يشرح فيه الرهانات الحالية والمستقبلية في «بحر جنوب الصين ونهاية الاستقرار في المحيط الهادئ ــ الباسيفيكي». ويشرح المؤلف واقع أن بحر الصين قد غدا إحدى المسائل الأساسية المطروحة في السياسة الخارجية الخاصّة بعموم منطقة آسيا ــ المحيط الهادئ، الباسيفيكي.
«الخيط الناظم» لتحليلات هذا الكتاب يتمثّل في فكرة أساسية يحاول «روبرت كابلان» من خلالها تبيين أن «الجغرافيا تلعب دوراً كبيراً في تقرير مصائر العالم». وهذا ما يبدو بمثابة صدى مباشراً لمقولة كان الجغرافي الفرنسي الشهير «ايف لاكوست» قد اختارها عنوانا لكتابه الذي تمّت ترجمته إلى لغات كثيرة ومفادها أن «الجغرافيا هي التي تصنع الحروب».
إن المؤلف ينطلق في محاولة الرد على جميع هذه الأسئلة في استعراض حقيقة ما يمثّله «بحر جنوب الصين» بالنسبة للمشاريع الصينية اليوم.. وغدا. ويشير بداية أن أكثر من نصف المنتجات من الصين وإليها التي تنقلها سنويا السفن التجارية تمرّ عبر بحر جنوب الصين. بل وهناك نسبة أربعة أخماس استهلاك الصين من البترول تمرّ أيضا من نفس المنطقة. ذلك أن للصين علاقات تجارية وثيقة مع الهند وإفريقيا والشرق الأوسط.
وإذا كان مؤلف الكتاب يبرز الكثير من وجوه التشابه بي وضع بحر جنوب الصين بالنسبة للصين اليوم وحوض البحر الكاريبي بالنسبة للولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر فإنه يبيّن أيضا بعض نقاط «التباين» بل «الاختلاف» بين الوضعين. وأهم هذه النقاط تلك التي تتعلّق باختلاف موازين القوى على الأرض في الحالتين.
ذلك أن الولايات المتحدة كانت تمتلك قوّة تفوق كثيراً ما كانت تمتلكه اسبانيا بينما أن قوّة الصين اليوم هي أقلّ بكثير من قوة «الخصم الأميركي». من هنا يرى «كابلان» أن الصين لن تغامر أبداً في ظل موازين القوى القائمة بأية مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة. في السياق الراهن «على الأقل».
