العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    أفق التفكير الإنساني يضيق ويفتح المجال لـ«الروبوت»

    نحو الغباء.. لماذا تصنع آلات أكثر ذكاءً بشراً أكثر غباءً؟

    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    تشكّل الثورة الرقمية أحد أكثر الموضوعات نقاشاً على مختلف المستويات ومن مختلف الزوايا، ذلك أنها الواقع الأكثر حضوراً في حياة البشر اليوم. ولعلّ أحد أهم الأسئلة التي تتردد حيالها اليوم هو السؤال المتعلّق بالعلاقة بين الآلة والإنسان، وحيث تمثّل المنافسة الصفة الأكثر بروزاً في هذه العلاقة. وليس «المنافسة» فحسب، بل أيضاً «الرقابة» التي تمارسها «الآلات» على العاملين، وإنتاجهم من خلال برامج مكرّسة لمثل هذه الغايات.

    والباحث الأميركي «سيمون هيد» المتخصص في العصر الرقمي وما يترتب عليه على المستويين الاجتماعي والإنساني يقدّم كتاباً يشرح فيه كيف أن «الآلات الأكثر ذكاء تجعل البشر أكثر غباء»، كما يشير عنوانه الفرعي، ذلك بمعنى أن «أفق تفكيرهم الإنساني يضيق» لمصلحة العمل على شاكلة «البشر الآليين ــ الروبوت»، وما يؤدي إلى خلق «منظومة عالم مغلق في التفكير».

    وبعد أن كان «سيمون هيد» قد تعرّض في كتاب سابق لدراسة «العلاقة بين العمل والسلطة ــ على صعيد الاقتصاد ــ في العصر الرقمي» يحاول أن يجيب في هذا العمل الجديد عن سؤال مفاده: هل سيحل الروبوت مكاننا في العمل؟. وهذا من خلال دراسة بعض الحالات التي تمثّلها مجموعات كبرى ليس أقلّها شهرة «أمازون» و«وولمارت» اللتين يأخذهما المؤلف نموذجاً للدراسة.

    ويشرح المؤلف على مدى فصل كامل من الكتاب أن «أمازون وولمارت تمثّلان نموذجين للطريقة التي يمكن فيها استخدام تكنولوجيات المعلوماتية في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين، لخلق ظروف يعمل فيها الآلاف لنقل السلع والمنتجات إلى المخازن والمستودعات.

    والشركتان تلجآن كثيراً إلى يد عاملة غير مؤهّلة للتزوّد بالسلع بشكل منتظم، ذلك تماماً على غرار ما كان يجري في متاجر بيع الحلويات في بدايات القرن العشرين».

     

    ويعيد المؤلف قارئه إلى فكرة أساسية، كان قد قالها أحد أشهر عمالقة الفكر الاقتصادي الحديث (آدم سميث) الذي كان قد درس المسائل المعلّقة بتقسيم العمل في الورش الصناعية التي عرفتها البشرية بعد إنجاز الثورة الصناعية الكبرى. وقد وصل إلى نتيجة مفادها أن ما قدّمته تلك الثورة من «تجديد» كان له آثاره «الرائعة» على صعيد إيقاع دورة الإنتاج والمردود..

    ولكن تعاظم دور الآلة جعل العاملين «أغبياء بمقدار ما هم جهلة بالقدر الممكن»، ذلك من حيث اختزاله دورهم لمعرفة تشغيل الآلات في دورة الإنتاج. مثل تلك الفكرة هي بالتحديد التي يطوّرها «سيمون هيد» في هذا الكتاب.

    ويدرس المؤلف على مدى العديد من الصفحات كيف أن العلاقات الجديدة التي خلقتها التكنولوجيا الرقمية ومنظوماتها «ذات التعقيد الكبير بحيث أنه لا يمكن ضبط انحرافاتها» بين الآلة والإنسان ــ في ظل منظومات أعمال، بزنس، الحاسوب ــ تمّت ترجمتها في الواقع الأميركي بـ«تعاظم التباين في الدخل.

    وفي الثروة منذ أربعين سنة حتى اليوم، وحيث إن الأزمة التي انطلقت في عامي 2007 ــ 2008 وانهيار بورصة وول ستريت أبرزت من هم الرابحين والخاسرين من العصر الرقمي».

    ومن السمات الأساسية التي يشرحها المؤلف في الصفحات الأولى من الكتاب أن برمجيات «منظومات التسيير الرقمي» التي تنتجها المجموعات المختصّة تتسم بقدر كبير من «الظلال والتعقيد بحيث يصعب التبصّر في آليات عملها».

    بكل الحالات تبقى هذه البرامج رهناً بشركات المعلوماتية التي تنتجها مثل «أي بي إم» وغيرها. ويصفها المؤلف أنها برمجيات «مكتوبة من قبل مهندسين ومن أجل مهندسين» في عالم افتراضي وبمعزل عن العالم الحقيقي.

    ويطلق المؤلف توصيف «العالم السريالي» على الواقع الذي تنتجه «الآلات الذكية»، ذلك بمعنى أنه عالم «يتم فيه طمس العنصر الإنساني كأحد عوامل الإنتاج. هذا في الوقت الذي يرى فيه أنه «من الضروري أن يعاد لهذا العنصر الإنساني اعتباره والتفحّص الدقيق للكيفية التي تعمل على أساسها المنظومات الرقمية في السياق الخاص للصناعات ولأماكن العمل».

    ولعل الرسالة الأساسية التي يريد المؤلف طرحها عبر تحليلات هذا الكتاب تكمن في التأكيد أنه ينبغي إعطاء الأولوية للإنسان وليس للآلة، وللواقع الحي وليس لـ«العالم الافتراضي» الرقمي.

    طباعة Email