في كل عام يقوم المفكر السياسي والإستراتيجي الفرنسي «برتران بادي»، مؤلف العشرات من الكتب حول المسائل الإستراتيجية الخاصة بالعالم الذي نعيش فيه وبمستقبله، والفريق الذي يعمل معه، بتقديم رؤيتهم لـ«حالة العالم» حسب قراءة الواقع القائم ولما يمكن أن يترتب على ذلك فيما بعدها على الصعيد العالمي بنوع من القراءة المستقبلية.

وفي عام 2014 بدا للفريق أن الحروب هي العلامة المميزة التي تستحق الاهتمام في عملهم المشترك عن «حالة العالم». هكذا أعطوا لهذا العمل عنوان «الحروب الجديدة».

ذلك على أساس مزدوج، فهي، من جهة، «حروب جديدة» من حيث إنها «تضاف إلى حروب أخرى» حيث نشبت في عام 2014 كالنزاع في أوكرانيا، ومن جهة أخرى، هي حروب جديدة من حيث إنها «تمثّل أنماطاً جديدة من الحروب» سمتها الأساسية هي العنف المفرط.

وهي أنماط مختلفة جداً عن مفاهيم الحرب التقليدية عبر استخدام تكنولوجيات جديدة وإيديولوجيات جديدة على نطاق واسع. هذا فضلاً عن الانتقال من نموذج «الحرب بين الدول» التي يتواجه فيها جيش مع جيش آخر ويشكل الجنود بالتحديد وقودها إلى الحروب التي «يتداخل فيها ما هو عسكري مع ما هو مدني» ومدادها الرئيس هو «عنف» موجّه بالدرجة الأولى ضد الدول ..

وحيث غدا الدور الفعلي للجيوش «غائماً» يتداخل فيه ما هو عسكري مع ما هو أمني. يضاف إلى ذلك أن «البعد العقائدي والبعد الإتني» غدا لهما دور «لا يمكن تجاهله» في الحروب الجديدة.

يسهم في هذا الكتاب مجموعة من الباحثين والمختصّين بالمسائل الإستراتيجية والصحافيين. وتتوزع مواده بين ثلاثة محاور أساسية. يحمل المحور الأوّل عنوان «رهانات..

أيّة حروب بالنسبة إلى القرن الحادي والعشرين؟». ويتضمّن تقدّيم «رؤية شاملة ــ بانوراما ــ للحروب المعاصرة» و«أشكال تفسّخ، أو تكامل، المؤسسات والمجتمعات ودور ذلك كعامل في نشوب الحروب» و«الحروب غير النظامية» و«حالة لا حرب ولا سلام»، وأخيراً «المناخ والطبيعة كساحات معارك جديدة».

المحور الثاني يحمل عنواناً عريضا هو «القوى الفاعلة والمؤسسات والأسلحة والضحايا». ويبدأ بـ «أسئلة حول كلفة الحرب» و«مبيعات السلاح كعامل نفوذ في العلاقات الدولية» و«تكاثر الأسلحة الخفية» والتساؤل عمّا إذا كانت «إسرائيل كمختبر للحرب؟»..

و«الحرب والسلام بين الأمم» و«خصخصة الحروب» و«قراصنة البحار» و«الطائرات من دون طيار» و«دور المنظمات الإنسانية». المحوّر الثالث والأخير يتعرّض المساهمون فيه لنزاعات «أوكرانيا والقوقاز وكشمير والعراق وسوريا والتدخّل الفرنسي في مالي ووسط إفريقيا وحروب المخدرات و«الكارتلات» في المكسيك.

ويشرح العديد من المساهمين في هذا الكتاب الجماعي أن فترة التحوّلات التي شهدها العالم بعد انهيار جدار برلين وسيادة اللبرالية ومعها قوانين اقتصاد السوق خلقت حالات من الهشاشة والفقر لدى شرائح واسعة في مجتمعات «بلدان الجنوب» التي غدا العديد منها لا يجد مكاناً له وحتى لتحقيق أدنى سبل البقاء في لعبة المنافسة التي هي خارجها بالأصل.

من الملاحظ أن أغلبية مساهمات هذا الكتاب تصبّ في القول بأشكال مختلفة إن الحروب التي شهدها هذا القرن الحادي والعشرون والتي قد تنفجر مستقبلاً هي ذات علاقة بحالة «التفسّخ الاجتماعي» في مجتمعات المرحلة الراهنة.