دلّ تعبير الحرب الباردة على تلك «المواجهة» غير العسكرية التي سادت العالم خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط جدار برلين عام 1789 وعلى اثر ذلك انهيار المعسكر الاشتراكي و«طليعته» المتمثّلة في الاتحاد السوفييتي السابق. ومع انهيار المعسكر الاشتراكي، الشرقي..

وسقوط الاتحاد السوفييتي السابق انتهت تلك «الحرب الباردة» التي واجهته مع الولايات المتحدة الأميركية من أجل فرض هذا النموذج المجتمعي والسياسي والاقتصادي أو ذاك. وبعد أن سادت لفترة فكرة أن الرأسمالية انتصرت «نهائيا» على الاشتراكية ..

وبالتالي «انتهت الحروب» الباردة والساخنة، عادت أجواء التوتر على أشدّه من جديد بين روسيا الاتحادية، وريثة الاتحاد السوفييتي السابق، منذ وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم عام 2000 للمرّة الأولى ثم عودته من جديد للرئاسة بعد أربع سنوات أمضاها كرئيس لوزراء روسيا. ويؤكد المؤلف ان الأميركيين يرون في بوتين«هتلر جديداً».

على مثل هذا الأسئلة يحاول ماري كاتيوزا، الخبير الإستراتيجي الأميركي في مجال الاستثمارات بحقل الطاقة والذي قدّم استشاراته في ميدان اختصاصه بالعديد من مناطق العالم بما في ذلك الشرق الأوسط، تقديم إجاباته في كتاب يحمل عنوان «الحرب الأكثر برودة»، بمعنى الأكثر حدّة من فترة «الحرب الباردة السابقة»..

والذي يشرح فيه «كيف أن التجارة العالمية للطاقة انزلقت من قبضة أميركا»، كما يدل العنوان الفرعي للكتاب. هذا مع فارق كبير وجوهري بالقياس إلى الحقبة الشيوعية هو أن بوتين لا يعتمد في «مشروعه» على الدبابات والطائرات والأسلحة الفتّاكة والصواريخ عابرة القارات. لكن بالأحرى على الثروات الطبيعية الهائلة التي تملكها بلاده وخاصّة المواد »الإستراتيجية« المتمثّلة في البترول والغاز واليورانيوم.

هذا مع إضافة مارين كاتيوزا أن مرجعية بوتين التاريخية الحقيقية ليست في المنظومة الشيوعية السابقة والاتحاد السوفييتي ولكن بالأحرى تتمثّل مرجعيته في «القيصر بطرس الأكبر» الذي يمثل «مثلا أعلى بالنسبة له». ويصفه الرئيس الروسي أنه «لا يملك الطموح فقط، ولكن الثقة بالنفس والرؤية البعيدة». بل ولديه «الخطط» من أجل تحقيق «رؤيته».

وبعد تأكيد المؤلف على أهمية الرهانات المطروحة في مجال الطاقة خلال العقود القادمة من الزمن وخاصّة بالنسبة لمكانة الدول على المسرح العالمي، يقوم بدراسة واقع مصادر الطاقة في العالم اليوم. ومن أهم المعطيات التي يتم تأكيدها هو أن إنتاج روسيا من البترول في المرتبة الأولى عالميا بواقع نسبة 13 بالمئة من الانتاج العالمي اعتبارا من عام 2009.

والإشارة أنه لا يغيب عن نظر بوتين واقع أن البلدان الأوروبية تشكّل أحد الأسواق الرئيسية لمواد الطاقة الروسية، وأن هذه المواد تمرّ عبر البوّابة الأوكرانية؛ الأمر الذي يفسّر أن روسيا لم ولن تقدّم فيما يخص الملف الأوكراني أي تنازلات. ويرى المؤلف أن موقف بوتين حيال النظام القائم في سوريا ليس بعيدا عن فهمه لمكانة روسيا على المسرح الدولي.

الفصول الـ 12 التي يتألف منها الكتاب والتي تبدأ بفصل عن «العقد الضائع» الذي سبق وصول بوتين إلى السلطة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي و»حيث لم يكن الروبل يساوي شيئا خارج روسيا« وتنتهي بفصل يحمل عنوان «ما بعد حقبة البترودولار الأميركي» ومروراً بالتعرّض للعبة الكبرى الجديدة ولأوكرانيا والبترول والغاز واليورانيوم الروسي ولأهمية الشرق الأوسط على صعيد الطاقة في اللعبة الكبرى العالمية الجديدة.