يُقال عن الغيرة إنها حالة انفعالية يعيشها البشر عامّة. ويتفق الجميع على أنها «خطيرة» عندما تزيد على حدودها. وهي حالة ارتبطت في أذهان البشر بمشاعر الحب والعلاقات العاطفية. لكنها تعبّر في جميع الحالات عن مشاعر سلبية على خلفية الإحساس بعدم الأمان وبالقلق والخوف وفيها شيء من الغضب والحزن والحرمان، كما يقول الاختصاصيون بعلم النفس.
و«الغيرة» هي بالتحديد عنوان كتاب «بيتر توهاي»، الأسترالي المولد، وأستاذ الأدب الكلاسيكي في جامعة «كالجاري » الكندية. وهو يذهب بعيدا في التأكيد على دور مشاعر الغيرة في مسار حياة البشر إلى حد القول انها «مصدر الجزء الأكبر من حياتنا الانفعالية»، هذا إلى جانب أنها «أحد المحاور الأساسية في الأدب» بالإضافة إلى «حضورها المستمر في حياتنا اليومية»، وفي أكثر الأحيان دون أن ندرك ذلك جيّدا بصورة واعية.
وعلى مدى العديد من الصفحات يشرح مؤلف هذا الكتاب الكثير من الجوانب التي تعمل فيها مشاعر «الغيرة» بشكل سلبي عندما تتجاوز الحدود «الطبيعية»، حيث تغدو مصدر خطر حقيقي على صاحبها كما على «موضوعها». لكنه يؤكّد بالمقابل على أنها، مثل العديد من المشاعر الإنسانية غيرها مثل «القلق» الذي خصّه بكتابه السابق، تعمل أيضا كـ«وسيلة قويّة يمكن استخدامها من أجل تأكيد الحقوق الفردية وتشجيع التعاون والمعاملة العادلة».
ومن خلال التعرّض لموضوع الغيرة يؤرّخ بيتر توهاي للمسار التطوري الذي عرفه الأدب خاصّة والفن عامّة.
هذا مع التوقف طويلا عند نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. أي بالتوازي مع بروز الأبعاد الجديدة التي عرفتها العلوم الإنسانية وخاصّة علم النفس وبتحديد أكثر التحليل النفسي وأعمال سيغموند فرويد في هذا المضمار، وأيضا أعمال أولئك الذين نهجوا بعده نفس نهجه وولجوا السبيل الذي ارتبط باسمه.
ومن النتائج الأساسية التي يؤكّد المؤلف عليها والتي تمخّضت عنها المشارب المختلفة في دراسات علم النفس هو أن الشخص الذي يعاني من ظاهرة متطرّفة ــ مرَضيّة ــ من الغيرة، للتمييز عن البشر «الغيورين بصورة طبيعية»، تدفعه غيرته إلى محاولة البحث عن وجود براهين«ملموسة» للتأكيد أن حقيقة الأمور «تتطابق مع الطريقة التي يعيشها في أحاسيسه التي ولّدتها غيرته».
وإشارة المؤلف في هذا السياق أن الكثير من الأعمال الأدبية أكّدت على أهمية ذلك عبر تقديم «البراهين الحسيّة الملموسة والمنظورة» التي تثير الغيرة، مثل «نسيان» أو «سقوط» بعض الأشياء التي تدفع إلى الشكوك وإثارة الغيرة.
ويكرّس «بيتر توهاي» العديد من الصفحات لدراسة «أنماط الغيرة» التي تتباين حسب الحضارات والثقافات والمناطق، كما تتباين تبعا للحقب الزمنية. هذا التباين يعيده المؤلف في تحليلاته بشكل أساسي إلى العديد من العوامل «المكتسبة». ذلك على أساس أن الغيرة فيها جانب «فطري»، «غريزي».
ويرى في المحصّلة أن الإنسان «يخشى» بطبيعته من أن يتم استبعاده من «دائرة الذين يحظون بالحب والاحترام» و«يغار» من أجل المحافظة على مكانته في «المجموعة». مثل هذه الغيرة يمكن أن تكون ظاهرة إيجابية وتدفع إلى التعاون بين المعنيين بها، كما يشرح. وهناك إذن «غيرة» و«غيرة».
