عرفت الإنسانية في القرن العشرين حربين كونيتين كانت القارّة الأوروبية موطن انطلاقهما وأكبر ساحاتهما وذهب ضحيتهما ملايين الأوروبيين. إنهما الحرب العالمية الأولى 1914 ــ 1918، المعروفة بالحرب الكبرى، والحرب العالمية الثانية 1939 ــ 1945. وهناك حرب طاحنة أخرى كانت قد عرفتها أوروبا خلال سنوات 1870 ــ 1871 والمعروفة بالحرب الفرنسية ــ البروسية أو حرب 1870 التي تواجهت فيها فرنسا مع تحالف الدول الألمانية بقيادة بروسيا.

«هذه الحروب ما كان ينبغي لها أن تنشب»، هذا ما يشرحه نيكولا سودراي الذي اختار الكتابة تحت هذا الاسم، وهو رجل قانون فرنسي وعضو مجلس إدارة المكتبة الوطنية الفرنسية ومؤلف العديد من الكتب، في عمله الأخير الذي يحمل بالتحديد عنوان «هذه الحروب ما كان ينبغي لها أن تنشب».

المؤلف يعود إلى شرح السياق الذي انطلقت فيه تلك المواجهات القاتلة من القارّة الأوروبية.. وما يؤكّده منذ البداية أن تلك الحرب قرر القيام بها نابليون الثالث، مدفوعاً بمشورة مستشاريه المقرّبين، في وقت كانوا يدركون فيها الأسباب العديدة التي كانت تدعوهم إلى عدم الشروع بذلك المشروع الحربي. وكما هو معروف انتهت تلك الحرب بهزيمة فرنسية ساحقة، وبانتصار الدول الألمانية التي أعلنت «اتحادها» في إطار «الإمبراطورية الألمانية» من قصر فرساي «مقر الملكية الفرنسية»، عند نهاية الحرب في 18 يناير من عام 1871.

ذلك الانتصار ترتب عليه ضم ألمانيا لمقاطعتي الألزاس واللورين الفرنسيتين، وإرغام فرنسا على تغيير الخرائط الجغرافية، حتى المدرسية منها، بحيث غدت المقاطعتان ضمن إطار أراضي الإمبراطورية الألمانية. كما نتج عن الانتصار الألماني تعزيز موقع القوّة الألمانية في القارّة الأوروبية على حساب الإمبراطورية النمساوية ــ الهنغارية، وأيضاً على حساب فرنسا.

ومن النتائج «الخطيرة» التي ترتبت على هزيمة فرنسا في حرب 1870، يحدد المؤلف ذلك الشعور الحاد لدى الفرنسيين بفداحة خسارة مقاطعتي «الألزاس واللورين »، وضمّهما من قبل ألمانيا. تلك المشاعر ساهمت، حسب التحليلات المقدّمة، في كبح النزعات المسالمة في فرنسا، كما ساهمت بالتالي لاحقاً في دخول فرنسا الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا.

ويشرح المؤلف أن تلك الحرب العالمية الأولى، الحرب الكبرى، تبقى بمثابة لغز كبير حتى اليوم، من حيث الأسباب الحقيقية التي كانت وراء نشوبها. وما يتفق عليه الجميع تقريباً، هو أن «رهانات» تلك الحرب كانت «متواضعة جداً»، بالقياس مع المحصّلة النهائية التي ترتبت عليها.

وعن الحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945 يرى المؤلف أن صعود الحزب النازي نفسه ووصوله إلى السلطة عام 1933 لم يكن أمراً محتوماً. ذلك أنه لم يكن يمثّل سوى أقليّة سياسية حقيقية في البلاد.

وإضافة إلى ملايين البشر الذين كانوا ضحايا الحرب الكبرى، أدّت على الصعيد الأوروبي، كما يركز المؤلف على القول، إلى انهيار الإمبراطورية النمساوية ــ الهنغارية التي استطاعت «رغم الكثير من الشوائب التي رافقت حقبتها»، أن تؤمّن «تعايش شعوب على درجة عالية من التباين والاختلاف» تحت مظلّتها.

ولم تكن تلك الحرب بعيدة عن خلق المناخ الذي شجّع بروز النازية في ألمانيا، خاصّة بعد توقيع «معاهدة فرساي» المهينة بالنسبة للألمان. الأمر الذي لم يكن بعيداً عن التحضير للحرب العالمية الثانية. في المحصلة كانت تلك الحرب بمثابة «إعلان انتحار» قارّة أوروبا «القديمة».

ومراجعة لقراءة تاريخ أوروبا يرى فيها مؤلف الكتاب أن حروب 1870 و1914 و1939 كانت نتيجة الأنانية والتعصّب القومي والجبن. بالتالي ما كان ينبغي لها أن تنشب.