يقع على ساحة الفاندوم في قلب العاصمة الفرنسية باريس فندق فخم يحمل اسم «ريتز». ولا شك أن هذا الفندق الشهير والذي يتم تصنيفه بين أكثر فنادق العالم «عراقة» رغم حداثته الزمنية نسبياً، والذي تعود ملكيته اليوم للثري المصري محمد الفايد، يشكل أحد المعالم التاريخية وأحد الأماكن ذات التاريخ المهم في القرن الماضي. وهو المكان الذي ارتاده العديد من كبار شخصيات العالم ورؤسائه وملوكه، وأحياناً لإقامة طويلة الأمد أو لزيارة عابرة للعاصمة الفرنسية.
و«الفندق» هو عنوان كتاب الباحثة والمؤرّخة الأميركية «تيلار ج. مازيو»، أستاذة الأدب الإنجليزي في «معهد كولبي» والمختصّة بالتاريخ الثقافي والاجتماعي الفرنسي. ولا شك أن المؤلفة تشرع بنوع من التأريخ الثقافي والاجتماعي لفرنسا في فترة دقيقة من تاريخها من خلال فندق ريتز ونوعية نزلائه ومشاربهم واهتماماتهم ومآربهم وما فعلوه أثناء إقامتهم في ذلك الفندق.
وتحدد المؤلفة القول إنها استطاعت الوصول إلى الأراشيف السريّة الفرنسية والأميركية والألمانية والاطلاع على جميع المعلومات التي تخصّ «فندق ساحة الفاندوم» خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. من هنا بالتحديد يتضمّن الكتاب كمّاً كبيراً من المعلومات التي تلقي الضوء على الطريقة التي جرت فيها الأمور أثناء الاحتلال النازي لباريس خلال تلك الحرب.
ومنذ الصفحات الأولى تشير المؤلفة إلى أنها وجدت الكثير من المعارضة حيال تأليف هذا الكتاب على أساس أن «الحقيقة التي تبحث عنها ضاعت مع التاريخ منذ اللحظة التي انتهت فيها الحرب». لكنها تعلن من الصفحات الأولى أيضاً أن «أشياء مدهشة جرت» في فندق ريتز. وبالتالي صممت على كتابة «التاريخ المدهش» لتلك الأحداث و«القصص المدهشة لرواده الأقوياء». والإشارة أن عدّة صفحات في مطلع الكتاب تتضمن قوائم بأولئك الرواد «الأقوياء».
وتقوم تيلار مازيو، مؤلفة الكتاب، بتتبع المسار التاريخي لهذا «الصرح الثقافي»، كما تصفه، منذ افتتاحه في بدايات القرن العشرين ـ وبالتحديد عام 1998 ــ حتى اليوم. وحيث بدا منذ الفترة الأولى التي تلت افتتاحه أنه «فندق فخم من نوع جديد».
والإشارة أن تاريخ افتتاحه تواكب مع «فضيحة» سياسية وعسكرية كبرى جسّدتها قضية الضابط الفرنسي دريفوس الذي واجه اتهام التعامل مع ألمانيا.
وتحدد المؤلفة منذ البداية أن فندق ريتز كان أحد الأمكنة الأكثر جذباً والأكثر ارتياداً من قبل الأثرياء الألمان النازيين خلال فترة الاحتلال النازي للعاصمة الفرنسية أثناء الحرب العالمية الثانية..
هذا فضلاً عن أنه كان مكان إقامة العديد من كبار ضباط «الرايخ الثالث» والذين ليس أقلّهم شهرة «هيرمان كورينغ» الذي شغل «الجناح الإمبريالي» في الفندق. والإشارة أن فندق «ريتز» كان الوحيد من بين فنادق مدينة باريس الذي تمّ احتلاله من قبل السلطة النازية بأوامر من أدولف هتلر نفسه، رغم أنه لم يلحظه أحد فيه.
كما كان فندق ريتز أحد الصروح الثقافية المهمّة في العاصمة الفرنسية وعلى رأس الأماكن المفضّلة للقاء المجتمع الباريسي «الراقي» بمختلف مشاربه الثقافية والاقتصادية والفنيّة ومن بين تلك الشريحة مصممة الأزياء الفرنسية الشهيرة كوكو شانيل التي تحوم حولها الشبهات أنها تعاونت مع النظام النازي أثناء الحرب العالمية الثانية. و«جدران فندق ريتز» تخبئ الكثير من الحكايات التي تحاول مؤلفة الكتاب إخراجها إلى «الساحات العامّة»، كما تشير بأشكال مختلفة.
وبالوقت نفسه لم تكن المقاومة الفرنسية بعيدة عن أجواء «ريتز» وكان العديد من العاملين في حقل الأدب والفكر قد وصفوه بـ «عش الجواسيس».
