انتهت الحقبة الاستعمارية في إفريقيا منذ أواسط القرن الماضي، العشرين. لكن حكاياتها ومآسيها لا تزال موضع نقاشات وتساؤلات وإدانات حتى اليوم. هذا ما يبيّنه بوضوح الكتاب الصادر منذ فترة قريبة للمؤرّخ الفرنسي، المختص بتاريخ الطب «غيّوم لاشونال»، والذي يحمل عنوان «دواء كان يفترض أن ينقذ إفريقيا» المكرّس لشرح «فضيحة دوائية في المستعمرات»، كما جاء في عنوانه الفرعي.

ويشير المؤلف إلى أنه إذا كانت هناك «معجزة» فهي تكمن بالتحديد في العدد القليل للضحايا الذين قضوا وعانوا الكثير من الآلام بعد حقنهم بذلك الدواء. هذا ما يثبته المؤلف بالعديد من الوثائق التي وجدها في أراشيف ومؤسسات ومختبرات دوائية في عواصم القوى الاستعمارية الأوروبية السابقة.

ويعرف القارئ عبر ذلك كيف «عاث ذاك الدواء فسادا» في المستعمرات الفرنسية والبرتغالية والبلجيكية في إفريقيا. والتأكيد في هذا السياق أنه كان لابدّ من انتظار عقد الستينات وهبوب رياح نزع الاستعمار على القارّة الإفريقية كي يتم «توقيف» تلك الحقنة التي «تؤلم كثيرا»، كما كان يردد الفلاّحون والقرويون الأفارقة بأغنية لهم في الكاميرون، كما ينقل المؤلف.

إن المؤلف يعود إلى سرد الأحداث بنوع من التحقيق الصحافي حول «جريمة وقعت وكان الأفارقة ضحيتها خلال سنوات 1948 ــ 1960».

إنه يعود إلى عام 1948 عندما تمّ عقد «ندوة إفريقية حول ذباب التسي تسي والطفيليات التي تنقلها وتسبب النوم الطويل تريبانوسومياز» في برازافيل، بحضور أخصائيين فرنسيين وبلجيكيين وبريطانيين وبرتغاليين وجنوب إفريقيين. وقرروا خلالها «تعميم الجرعة الدوائية في المناطق الإفريقية التي ينتشر فيها كثيرا مرض النوم». هكذا انطلق «البرنامج الدولي الأوّل للطب الجماهيري في إفريقيا»، كما يكتب المؤلف.

الملاحظة الأولى التي يسوقها غيّوم لاشونال هو أن تلك الجريمة «الدوائية» لم تأخذ الاهتمام الذي تستحقه الجرائم، خاصّة عندما تكون قد خلّفت الكثير من الضحايا. لم تأخذ ما يفترض من اهتمام لسبب بسيط، كما يشير، هو أن «الذين يموتون هم الآخرون»، وفي سياق الجريمة المعنيّة هم الأفارقة.

الدواء موضوع الفضيحة يحمل اسم «لوميدين ــ lomidine». وهو من اختراع طبيب بريطاني اسمه «ارتور ايوينس» عام 1937، لكن وزارة الصحّة الفرنسية هي التي سمحت باستخدامه في إفريقيا اعتبارا من عام 1946.

كانت المقولات الطبية التي رافقت قرب استخدامه تشير أنه سوف «يشفي القارة من مرض النوم» الذي كان وراءه نوع من الطفيليات التي تتواجد في إفريقيا وتنقلها ذبابات الـ «تسي تسي». كانت آنذاك تلك المهمة على رأس اهتمامات السلطات الصحيّة الاستعمارية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

واعتبارا من عام 1948 كانت هناك شاحنات تجوب القارّة السوداء لإعطاء «لقاح ودواء الصحّة» ضد الطفيليات المسببة للنوم، والتي يتم تشبيهها بـ «التنين المجهري»، وحيث شاعت الفكرة أن ذلك الدواء يستجيب لكل متطلبات القارّة الصحية. والإشارة أن شهرة ذلك الدواء أخذت مدى كبيرا تمّ معه الحديث عن «اللمدنة ــ الاستخدام العام لدواء الليمودين ـ الشاملة» للقارّة الإفريقية.

ويعود المؤلف إلى السنوات التي تلت مباشرة نهاية الحرب العالمية الثانية. في تلك الفترة أعلنت السلطات الاستعمارية في إفريقيا عن «اختراع الدواء الجديد». وترافق ذلك مع حملات كبيرة في عموم مناطق القارّة الأوروبية حول ضرورة استخدام «ليمودين بصورة وقائية».

قصّة هذا «الدواء» تبدو في واقع الأمر كمدخل يستخدمه المؤلف لتوصيف أنماط السلوك الذي سلكه المستعمرون في إفريقيا على مختلف المستويات وعلى صعيد الحياة اليومية كما على صعيد السياسات الكبرى.

وتبيين كيف أنه كان بالمقابل لشعارات «التمدين والتثقيف الحضاري» و«ولوج الشعوب للحداثة» التي رفعها المستعمرون، وجوهها الأخرى. وليس أقلّها «الاعتماد على منطق عنصري» و«على جهاز قمعي» و«على قدر كبير من غياب الفاعلية»، و«نقص الانسجام في مشروع إدخال العلوم والتقنيات»، وشيوع جرائم تحت شعارات إنسانية.