عرفت رفوف المكتبات الإيطالية في شهر سبتمبر الماضي كتابا صغير الحجم لكنه أثار ضجّة كبيرة ونقاشات ما زالت مستمرّة. ذلك حول عنوان الكتاب أوّلا «الرايخ الرابع»، كدلالة واضحة إلى «الرايخ الثالث»، كما كان يُطلق على النظام النازي في ظل حكم ادولف هتلر؛ وثانيا من حيث مضمونه حيث إن تحليلاته تدور حول الآليات التي تحاول فيها ألمانيا الهيمنة على أوروبا عامّة اليوم وعلى الاتحاد الأوروبي بشكل خاص، وحول السبل التي تنتهجها في ذلك.
مؤلفا هذا الكتاب هما صحفيان ألمانيان معروفان. والمساهم الرئيسي فيه هو الصحفي «فيتوريو فيلتري» المعروف بمواقفه «الصاخبة» التي دفعت به أكثر من مرّة إلى المحاكم. ولكن الذي يحظى بشهرة كبيرة لدى القرّاء الإيطاليين، كما تدل أعداد بيع الأعمال الصحفية والكتب التي تحمل اسمه. ويساعده في هذا الكتاب الصحفي الإيطالي المعروف أيضا «جينارو سانغولياني»، صاحب العديد من المؤلفات.
والسؤال الكبير الذي يثار حول الاتحاد الأوروبي، ومن خلاله حول مسيرة التوحيد الأوروبي كلّها، هو معرفة عمّا إذا كان يراد الوصول إلى إقامة «أوروبا أوروبية» أم «أوروبا ألمانية»؟. ومثل هذا التساؤل هو في عمقه تكرار للمعضلة التي كان قد عبّر عنها منذ فترة طويلة الكاتب توماس مان عندما تساءل عمّا إذا كان المستقبل سيمنحنا «أوروبا جرمانية أو ألمانيا أوروبية؟».
وما يؤكّده مؤلفا الكتاب بهذا الصدد في تحليلهما للواقع الراهن القائم تعبّر عنه بوضوح وبشكل مباشر الجملة التالية في عملهما التي مفادها «إن انجيلا ميركل تقودنا برسن دفاعا عن المصالح الخاصّة لبلادها بينما ننزلق نحن نحو الانحطاط».
بالتالي يتم التأكيد أنه لا يمكن قراءة السياسات المالية وتلك الخاصّة بالحزم في مجال الميزانيات في بلدان الاتحاد الأوروبي إلاّ «على ضوء المواقف الصارمة التي تتخذها ألمانيا» في المجالات المعنيّة.
هذا خاصة أن ألمانيا «غيّرت من توازن القوى في أوروبا خلال السنوات التي أصبح فيها اليورو هو عملة التداول حيث زادت من قوتها الاقتصادية والسياسية وأعادت إحياء الجذور التاريخية والثقافية للمسار السلطوي الألماني»، كما نقرأ.
ويشير المؤلفان أيضا في تحليلاتهما على مدى صفحات الكتاب، الى أن مثل تلك التوصيفات الخاصة بإرادة الهيمنة الألمانية والمنعوتة بـ«المتطرّفة» تعكس وتلخص في الواقع مشاعر الكثير من الأوروبيين في سياق مواجهة الأزمات المتكررة التي يواجهونها في عدد من بلدان الاتحاد الأوروبي.
والتي كانت الأزمة التي عرفتها اليونان، ولا تزال تعاني منها، أكثرها حدّة حيث أوصلت البلاد إلى حالة الإفلاس الكامل والتهديد بوضعها خارج إطار الاتحاد الأوروبي.
بالمقابل هناك الكثير من إشارات الإعجاب بالتجربة الاقتصادية الرائدة التي حققها الشعب الألماني في النهوض من حربين عالميتين «عرفت فيهما ألمانيا الهزيمة والدمار» ثم عرفت كيف تعيد توحيد الأمّة الألمانية بعد انهيار جدار برلين.
هذا مقابل «متابعتنا مسار انحدارنا السريع»، كما يكتب المؤلفان عن إيطاليا. ويضيفان: «نحن لسنا قادرين على إنجاب ميركل إيطالية. ربما علينا أن نقبل أننا لا نملك سوى الدهشة أمام الرايخ الرابع... مع نقدنا الشديد له».
