لا شك أن نابليون بونابرت، ذلك العريف الكورسيكي، هو أحد الشخصيات الكبرى في تاريخ فرنسا، بل وأحد أولئك الذين لعبوا دورا كبيرا في توجيه مسار التاريخ في عصره. لكن ذلك الذي حقق انتصارات كبرى في المعارك الكثيرة التي خاضها ذاق أيضا طعم الهزيمة
والمؤرّخ البريطاني مورنو برايس، خريج جامعة كمبردج، وأستاذ التاريخ الأوروبي الحديث في جامعة برادفورد، الذي كرّس الكثير من أعماله وجهوده في مجال دراسة التاريخ الفرنسي لدراسة الحقبة النابليونية، يبحث في كتابه الأخير ما يسميه «نهاية المجد» بالنسبة للمسار الظافر الذي عرفه نابليون بونابرت.
إن المؤلف يعود إلى تاريخ 20 ابريل من عام 1815. في ذلك اليوم ألقى نابليون بونابرت «خطاب الوداع الأخير» على مجموعة من حرسه القديم في قصر «فونتين بلوو» على بعد حوالي 60 كيلومترا من العاصمة الفرنسية باريس.
كان في غاية الإنهاك بعد مسيرة عدّة أيام، إثر هزيمة جيوشه أمام تحالف ضده ضمّ الانجليز والأيرلنديين والروس والبروسيين والنمساويين، الذين أرغموه على «الاستقالة» وقبوله الرحيل إلى جزيرة «البي» مع محافظته على لقب «إمبراطور»، لا يحكم سوى تلك الجزيرة الصغيرة.
ويشير مؤلف الكتاب إلى أن نابليون خاض العديد من المعارك خلال فترة 1812 ــ 1814 في أوروبا وروسيا، قبل تنازله عن العرش الإمبراطوري ونفيه «القسري». لم يكن أقل تلك المعارك شأنا معركة «درسدن»، التي عرفت آخر انتصارات نابليون على التراب الألماني ــ البروسي سابقا.
ومعركة «لايبزغ» التي يطلقون عليها «معركة الأمم»، التي بلغ ضحاياها حوالي 600000 مقاتل، رغم أنها لم تستمر سوى فترة أربعة أيام فقط. ويكرّس المؤلف لهذه المعركة فصلا خاصّا، يصف فيه المؤلف كيف جرى فيها دحر جيوش نابليون نحو نهر الرين.
ويولي المؤلف أهمية كبيرة لدراسة حملة نابليون على روسيا القيصرية في شهر يونيو من عام 1812، وصولا إلى احتلال موسكو نفسها وقيام الروس بحرقها في اليوم التالي لدخول الإمبراطور عليها.
تلك الحملة التي يصفها أنها كانت «فاشلة». لكن ذلك لم يمنعه من التأكيد أن الخطط التي وضعها نابليون للقيام بتلك الحملة بعد أن كان قد فتح أوروبا كلّها تقريبا إنما كانت في غاية الإحكام على رأس «جيش إمبراطوري من 600000» مقاتل.
ولا يتردد المؤلف في القول ان هزيمة نابليون في تلك المعركة كانت بمثابة «الضربة القاضية »بالنسبة له.
هذا والإشارة، مع ذلك، أن الأدبيات الانجلو سكسونية تبالغ كثيرا في الحديث عن تلك المعركة «العظيمة». هذا في حين أن معارك كبرى أخرى خاض جيش نابليون غمارها ولا تقل «عظمة» في معايير القوى العسكرية والحروب، واستطاع أن يمدّ عبرها سلطته على 70 مليونا من الأوروبيين كان بينهم 30 مليونا فقط في فرنسا.
ولا يتردد المؤلف ــ المؤرّخ مورنو برايس في توصيف تلك الفترة بأنها «إحدى أكثر الفترات مأساوية في التاريخ الأوروبي كلّه». وهي حقبة يرى أنها تطرح الكثير من التساؤلات أيضا.
فلماذا فقد نابليون خلال تلك الفترة القصيرة زمنيا ــ عامين بالكاد ــ الإمبراطورية التي أشادها وفرنسا مركزها وموطنه؟. ولماذا رفض أية مصالحة ربما كان منها أن تسمح له المحافظة على عرشه بدلا من وضع خيار بين أمرين لا ثالث لهما: الانتصار الكامل أو الهزيمة الكاملة؟.
