من المعروف للجميع أن للصين وجوداً كبيراً في القارّة الإفريقية. وليست قليلة هي الأسئلة التي يتمّ طرحها بهذا الخصوص. أمّا الإجابات فإنها تأتي دائما من زاوية أولئك الذين يقدمونها ومن موقعهم الإيديولوجي ومن الناحية التي تهب منها رياح «مصالحهم».

الصحفية والكاتبة البلجيكية «ليف جوريس» عملت لأربعة عقود في مجال التحقيقات الصحفية، لحساب مجلة أسبوعية في امستردام حيث تعيش منذ سنوات السبعينات المنصرمة. وقد أقامت لفترات قد تطول في العديد من البلدان من بينها الولايات المتحدة وسوريا ولبنان ومصر والكونغو تناقش موضوع العلاقات الصينية الإفريقية في كتابها الذي يحمل عنوان: «على جناحي التنين»، مع عنوان فرعي يدل على الموضوع الذي يتمّ نقاشه ومفاده: «رحلة بين إفريقيا والصين».

الطريقة التي عملت فيها باستمرار حيثما حلّت تلخصها «ليف جوريس» بالمكوث في المكان والانتظار حتى ينسى المعنيون الذين تريد التعرّف عليهم وعلى نمط حياتهم كل ما يمكن أن يجعلها للوهلة الأولى مختلفة عنهم. تكتب «عليك أن تدخل في حياتهم فيفتحون لك أبواب منازلهم».

إن «ليف جوريس» تنقل الكثير مما دار في لقاءاتها الكثيرة مع أفارقة وصينيين من كل المشارب ومن العاملين في مختلف المهن. وفي جميع الحالات تحاول أن تذهب أبعد في فهم كيف يتبادل هؤلاء وأولئك، الأفارقة والصينيون، النظرات على خلفية مجموعة من الأحكام المسبقة التي تصفها بـ«أحكام مسبقة متبادلة بين عالمين» ودون المرور في «الموشور الغربي» الذي قد «يشوّه الصورة».

ومن الأحكام المسبقة التي يرددها الأفارقة، وتنقلها المؤلفة عن بعضهم، أن «الصينيين كانوا قديما جميعهم من الفقراء. ولم يكن لديهم ما يأكلونه بحيث وصل بهم الأمر أن يأكلوا بعضهم بسبب ما كانوا يقاسون من الجوع».

وتخرج المؤلفة من ذلك كلّه بفكرة مفادها ان الأفارقة لا ينظرون إلى الصينيين بنفس الطريقة التي ينظرون فيها إلى الغربيين «المستعمرين» السابقين وأصحاب النظرة «الاستعلائية» للأفارقة. بل على العكس يسود الإحساس لدى الكثير من الأفارقة أن الصينيين «صعدوا» من «قاع» الفقر وأن تجربتهم قد تكون شديدة الفائدة بالنسبة لإفريقيا اليوم، من أجل «صعودها» هي الأخرى.

ما تؤكّده المؤلفة هو أنها أرادت التعرّف على مختلف أوجه «العلاقات الصينية ــ الإفريقية المعقّدة». والاكتشاف الذي تؤكّد عليه بأشكال مختلفة في الكتاب أن تلك العلاقات ليست أبدا ذات طابع تجاري «حصراً»، كما يريد الغربيون تقديمها. نقرأ بهذا الصدد: «لقد أردت أن أرسم لهم ــ الصينيين ــ صورة إنسانية. وعملهم لا يقتصر فقط على نهب القارّة السوداء، ذلك أن البعض منهم يولون أهمية كبيرة أيضا للفنون والثقافة. فلنتوقف إذن عن تلقين الدروس للآخرين».

ما تؤكّده المؤلفة أيضا عبر «الرحلة من إفريقيا إلى الصين» هو أن «صفحة جديدة من التاريخ تتم كتابها في هذه الفترة». تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الصين هي بصدد التفاوض للقيام بعدد من المشاريع الكبرى في القارّة الإفريقية وليس أقلّها أهمية بناء سكّة حديدية تربط بين باماكو وكوناكري ورفع الرمال من قاع مجرى نهر النيجر وبناء شبكة من الطرق والجسور في مختلف المناطق الإفريقية.

وذلك كلّه مقابل استثمار الصينيين لمنجم للحديد وللتنقيب في أعماق الأرض في مالي بإفريقيا. والتأكيد بناء على العديد من الدراسات المنشورة أو الموجودة لدى مراكز أبحاث مختصّة أن باطن الأرض في مالي، البلد الإفريقي المصنّف في عداد أكثر بلدان العالم فقرا، يحتوي على كميات كبيرة من المعادن النادرة وغالية الثمن وفي مقدمتها الذهب واليورانيوم، هذا فضلا عن البترول.

الأفق الذي ترسمه «ليف جوريس» لمستقبل العلاقات الصينية ـ الإفريقية هو أنها مرشّحة لتتعمق أكثر فأكثر على خلفية منطق «الكسب المتبادل». ولكن أيضا على أمل الاستفادة من التجربة التاريخية الصينية.