أن يكون المرء قصير القامة جداً أمر غير محبب. وليس محببا أيضا الإفراط في طول القامة. المرغوب إذاً هو القامة المتوسّطة بعيدا عن الذهاب إلى «المبالغة» في أي من الاتجاهين، الطول أو القصر. المسألة ليست ذات طابع «جمالي» فحسب، بل لعلّ هذا هو المظهر الأقل أهميّة. هذا ما يشرحه الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي أوليفييه راي في كتابه الذي يحمل عنوان «مسألة قامة».

إن المؤلف - الفيلسوف وعالم الرياضيات يناقش مسألة القامة بالمعنى الأعمّ والأشمل الذي يتجاوز مفهوم القامة السائد بالنسبة للبشر. وهو يطبّق في جميع الحالات قاعدة رئيسية مفادها أنه في الطبيعة ليس هناك جسد قابل للتأقلم مع نمط حياته إلاّ في مستوى قامته المناسبة. هكذا يتعرّض عنكبوت عملاق لـ«الاختناق»، والغزال الذي يكون بحجم زرافة «لا بدّ من أن يكسر ساقيه».... وهنا يضيف المؤلف: «والأمر نفسه بالنسبة للثقافات وللمجتمعات».

أمّا تلك المخلوقات العملاقة من عناكب وغيرها التي يشاهدها الناس في أفلام الرعب والخيال العلمي فإنه لا يمكن مصادفتها إلاّ في السينما وليس في الواقع. تتم الإشارة في هذا السياق إلى تلك الحيوانات التي أشار لها لافونتين في «حكاياته» التي جاءت على لسان الحيوانات، والتي لا توجد في المحصّلة إلّا في الخيال.

هكذا يضع المؤلف «مسألة القامة» في صميم النقد الذي يوجهه للحداثة التكنولوجية وللنموذج الاقتصادي الليبرالي السائد بالتواكب معها. ويعيد بهذا الشأن نظرية شهيرة كان قد قدّمها ليوبولد كوهر، المفكّر حول مسائل الحضارات الإنسانية، ومفادها: «في أي مكان في العالم وفي جميع الميادين إذا كان هناك شيء لا يجري كما ينبغي، فهذا يعني أن هناك ما هو أضخم مما ينبغي».

كما يعتمد المؤلف كثيرا في تحليلاته لمسألة القامة على أعمال المفكّر الأميركي ذي الأصل النمساوي إيليا ايليتش المتوفى عام 2002. وكان قد ركّز أعماله على محاولة إيجاد الروابط بين أشكال الاندماج في إطار الرأسمالية الجديدة وبين علاقات السيطرة أو الخضوع الثقافيين في مختلف المجتمعات. مثل تلك العلاقات هي التي يدرسها أوليفييه راي في هذا الكتاب فيما يخص المجتمعات الحالية بالاعتماد على معيار «القامة» بالتحديد.

ويربط المؤلف في تحليلاته بين زيادة حجم المجتمعات وعدد سكانها وبين «تضاؤل حس الانتماء المشترك والصالح العام». بل يصل المؤلف إلى القول أنه «بعد عتبة ما» من التضخّم يغدو حجم المجتمع هو المصدر الرئيسي للجريمة.

ويوجّه المؤلف أصابع الاتهام إلى النموذج الليبرالي «المبالغ في ليبراليته» الذي يرى أنه قد «وسّع هيمنته لتطال جميع مظاهر الحياة الإنسانية». ومن خلال ذلك يوجّه المؤلف نقده للحضارة الحديثة التي ربما أدخلت البشرية «في طريق مسدود» ولا يبدو أنهم يملكون قدرة العودة إلى الوراء.