من الآراء الشائعة أن الصناعة الفرنسية تتدهور أكثر فأكثر منذ عدّة سنوات. الأمثلة على ذلك كثيرة وفي رأس قائمة الشركات الكبرى التي يجري ذكرها في هذا المجال «الستوم» و«بيشيني» و«ارسيلور». والباحث الاقتصادي الفرنسي المعروف المختص بالسياسات الصناعية ايلي كوهن، مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ومؤلف العديد من الكتب وبيير اندريه بويغ الأستاذ في جامعة تولوز الفرنسية يقدمان معا كتابا تحت عنوان «التقهقر الصناعي».
الأسئلة المطروحة بهذا الصدد كثيرة في بداية الكتاب، ومن بينها: ما هي الأسباب التي جعلت صناعة السيارات البريطانية التي كانت توصف قبل خمسة عشر عاما فقط أنها بحكم «الميتة» أكثر دينامية اليوم وقدرة على التصدير من الصناعة الفرنسية؟ ولماذا فقدت فرنسا مرتبتها الأولى بين البلدان الأوروبية المصدّرة في مجال الصناعة الزراعية ــ الغذائية؟ وأسئلة عديدة أخرى تصب في الإطار نفسه.
إن مؤلفي الكتاب يحاولان تقديم الإجابة على مثل هذه الأسئلة في عملهما، ويشرحان هذا «التقهقر الغريب» للصناعة الفرنسية. وهما يقدمان سلسلة طويلة من الأرقام ويقومان بعمليات مقارنة عن المسار الاقتصادي لفرنسا بالقياس إلى الدول التي تتناظر معها، أو المقارنة تبعا للقطاعات الصناعية المختلفة. وبشكل خاص المقارنة مع الجارين الألماني والبريطاني.
يقدّم المؤلفان عدداً من الأسباب التي يعتبران أنها وراء انحسار الصناعة الفرنسية. وفي مقدمة تلك العوامل أن فرنسا لا تمتلك «ثقافة المجموعات التكنولوجية» الكبرى مثل الألمان أو الكوريين أو اليابانيين. وإلى جانب التأكيد أن فرنسا تمثّل أمّة عريقة وقديمة لكنها لم تقم بالمقابل بالتزوّد بصناعة كبيرة سوى في فترة متأخّرة من تاريخها.
وبالمقارنة مع ألمانيا وإيطاليا تتم الإشارة أن هذين البلدين لم يشكّلا أمّتين سوى في فترة حديثة العهد لكنهما يمتلكان صناعة هامّة وذات سمعة عالمية كبيرة منذ أزمنة أكثر قدما بكثير من الصناعة الفرنسية. ثم إن الدولة في فرنسا هي بالمقابل التي صنعت الأمة والصناعة بينما الصناعة في ألمانيا وإيطاليا هي التي صنعت الأمّة والدولة.
والتأكيد في هذا السياق أن فرنسا لم تعرف في واقع الأمر الصناعة الكبيرة الحقيقية سوى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 ولتعرف تلك الصناعة أوج ازدهارها في ظل حكم الجنرال شارل ديغول ثم في فترة حكم جورج بومبيدو بعده.
وفرنسا هي أيضاً، كما تقدم ضحيّة سياساتها الاقتصادية «غير المتناسقة». وهذا تتحمّل مسؤولياته، حسب المؤلفين، النخب السياسية والإدارية والاقتصادية بالدرجة الأولى.
ويضيف المؤلفان ان «الخطأ الثاني هو في الاعتقاد أن تبنّي العملة الأوروبية الموحّدة ــ اليورو ــ والتخلّي عن ممارسة خفض العملة يتماشيان مع سياسات النمو الاقتصادي غير المحدود للإنفاق العام الذي يولّد بالضرورة مختلف أشكال العجز وتعاظم الديون العامّة باستمرار».
والحلول المقترحة تقوم على أساس المقارنة مع بعض التجارب الأوروبية. وفي مقدّمة التجارب المدروسة تلك، التي انتهجتها السويد في عملية «إعادة التصنيع». بكل الحالات يتم التأكيد على أنه ينبغي عدم ولوج تفسيرات وحلول تعتمد عل نوع من «الحنين» إلى الماضي الصناعي الفرنسي في سنوات ستينات وسبعينات القرن الماضي. ذلك أن السياق تغيّر والشروط تغيّرت والثورة الرقمية أحدثت ثورة ينبغي الاستفادة منها.
