تحظى العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع باهتمام كبير لدى الكثير من الباحثين خاصّة في سياق الثورة الرقمية التي يعيشها العالم اليوم وحيث غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الرقمية من طبيعة وسائل التواصل بين الناس، وخاصّة لدى أجيال الشباب وعلى رأسهم المراهقون.

و«الحياة الاجتماعية للمراهقين عبر شبكات الإنترنت»، هذا هو بالتحديد العنوان الفرعي وموضوع كتاب «دانا بويد»، الباحثة الرئيسية لدى مجموعة «ميكروسوفت» والأستاذة المساعدة لوسائل الإعلام والثقافة والتواصل الاجتماعي في جامعة نيويورك، الذي يحمل عنوان «الأمر معقّد».

تجدر الإشارة بداية أن هذه الباحثة تحتل موقعاً متميّزاً في مجال البحث عن الكيفية التي يستخدم فيها البشر اليوم، وخاصة الشباب والمراهقين، عالم «شبكات الانترنت». وأنها حازت على شهادة الدكتوراه من جامعة بيركلي عن أطروحة موضوعها «المراهقون وعالم الإنترنت».

من المعروف اليوم أن المراهقين هم في طليعة «مستهلكي» وسائل التواصل الاجتماعي الرقمية بكل أنواعها. ومن المعروف أيضا أن هذه الشريحة من المجتمع تمضي في الحالات الأكثر شيوعا ساعات طويلة أمام الشاشات بكل أنواعها أيضا.

النتيجة الأولى والأكثر أهمية التي يؤكّد عليها الباحثون عموما هي أن «الشبكات» التي غدت من المكوّنات الأساسية لعوالم المراهقين في البلدان المتقدمة أصبحت تبعدهم أكثر فأكثر عن «التواصل» مع بشر «حقيقيين» وتدفعهم نحو العيش في العالم «الافتراضي» الذي توفره الشبكات.

ونتيجة أخرى يتم التأكيد عليها من قبل الكثير من الباحثين أيضا مفادها أن المراهقين يقومون بـ «استعراض أنفسهم بطريقة غير واعية» عبر الشبكات مما يتلاءم بنظرهم مع مستلزمات مجتمع الاستعراض الذي خلقته طبيعة المجتمعات الاستهلاكية.

تناقش مؤلفة هذا الكتاب في الصفحات الأولى من الكتاب مثل هذه الأطروحات لكنها تصل إلى نتائج متباينة جداً، بل مختلفة، عنها. إنها تؤكّد على أن المراهقين «يعرفون جيدا ماذا يفعلون» على شبكات الانترنت وغيرها من وسائل التواصل التي أثمرتها الثورة الرقمية. وبالتالي ليس هناك «مدعاة للقلق والهلع» من التأثيرات السلبية لهذه الوسائل عليهم.

وتشرح المؤلفة أن سلوك المراهقين اليوم لا يختلف عن سلوك الذين سبقوهم من حيث «البحث عن عيش تجارب مشتركة» و«استخدام لغة مشتركة» واللجوء إلى «منظومات خاصّة بهم على صعيد الرموز التي يستخدمونها».

ثمّ إن الرقابة «المفرطة» برأي المؤلفة، تدفع المراهقين أكثر فأكثر نحو «المجال الحر» الذي تمثله شبكة الانترنت ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي. وتحدد القول انه مقابل مختلف أشكال «العزل» التي يواجه فيها الأهل والمجتمع «سمح شبكات التواصل الاجتماعي للمراهقين بتحديد نمط حياتهم وعلاقتهم مع العالم الذي يعيشون فيه.