يتم الحديث كثيراً في السنوات الأخيرة عن وباء هو ليس بالحقيقة مرضاً بحدّ ذاته، ولكنه ليس أقل خطراً من أكثر الأوبئة فتكاً. ذلك أنه في أصل الكثير من الأمراض والمقصود هو ظاهرة «البدانة» التي تعاني منها أعداد تتعاظم أكثر فأكثر في مختلف بلدان العالم وخاصّة في البلدان الغنيّة.
ظاهرة البدانة هي موضوع الباحثة في مسائل الصحّة والحائزة على العديد من الجوائز العالمية في هذا المجال «ساره بوزلي» في كتابها الذي يحمل عنوان «الشكل الذي نسكنه»، وهي تبحث فيه كيف أن وجبات الطعام السريعة والعامرة بالدهون غدت «تقصّر أعمارنا».
تقول الإحصاءات المقدّمة في هذا الكتاب ان ثلثي البريطانيين يعانون من فرط في الوزن. والنتيجة المباشرة هي «معاناة بأشكال مختلفة داخل البدن». كما تقول الإحصاءات انه للمرّة الأولى في التاريخ يعاني عدد أكبر من البشر من الأمراض «ذات العلاقة بالبدانة» من عدد أولئك الذين يعانون من الأمراض «ذات العلاقة بنقص الأغذية والفقر».
وتشرح المؤلفة أن المسائل الصحية تأخذ أهمية أقل لدى غالبية البشر من تلك التي تتعلّق بالشكل. هذا في الوقت الذي تؤكّد فيه أن الأكثر مدعاة للاهتمام تلك الدهون التي تتكدّس حول القلب والكليتين والكبد والرئتين. والإشارة أنه «يكفي تخفيض محيط الخصر 4 سنتيمتر كي يتم تقليل احتمال الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني بنسبة 60 بالمئة».
ما تؤكّده مؤلفة هذا الكتاب هو أن الجميع يدركون جيدا خطر السمنة المفرطة، لكن هذا لا يمنع واقع أن ثلثي البريطانيين قد أصبحوا من فئة ذوي الوزن الزائد. الأمر الذي تتم إعادته بالدرجة الأولى إلى تناول المأكولات الغنية بالحريرات وبالسكر والقليلة البروتينات وغيرها من المكوّنات التي يحتاجها الجسد لسلامة بنيته. وتتساءل المؤلفة: من يعرف كم هي غنية «البيتزا» بالسكر«؟ وأن هناك ما يعادل قطعة سكّر في كل ملعقة من »الكتشاب«؟ وما كميّة السكر أيضاً في قطعة من الخبز؟.
تشرح المؤلفة على مدى العديد من صفحات هذا الكتاب أن «الثالوث الجهنّمي» بالنسبة لصحة الإنسان يتمثل في «السكّر والدهون والكحول». ولا تتردد في القول ان المزج والإفراط في هذه المواد «خاصّة في الأنواع الرديئة منها» هما اللذان يؤدّيان إلى «تقصير الأعمار».
والإشارة أنه في المكسيك «أكثر بلدان العالم بدانة» يستهلك كل فرد تقريبا نصف ليتر من المياه الغازية كل يوم، وما تطلق عليه المؤلفة تسمية «مكسيك كولا» على غرار «كوكا كولا». وتشرح أنه في أغلبية الحالات بجميع بلدان العالم يسود الاعتقاد «أن البدانة تخص أصحاب الأجساد المترهّلة التي نراها على صفحات المجلاّت. ولا نريد أن نعترف بما يجري وأن الجميع غدوا أكثر وزنا، بما فيهم نحن».
وتعتبر أية إجراءات تتخذها الحكومات بمثابة تدخّل يعيق عمل «الأسواق الحرّة». وحجّة أخرى ترفعها الشركات المنتجة مفادها أن «الاعتدال» في استهلاك منتجاتها جيّد المردود بالنسبة لصحّة المستهلك وبالتالي يكون هذا «المستهلك» هو المسؤول عن «خياراته».
وفي المحصّلة لا تتحمل الشركات المعنيّة اية مسؤولية فيما يتعلّق بالكلفة الباهظة التي تترتب على معالجة الأمراض الشائعة التي تتعاظم حالاتها أكثر فأكثر بسبب البدانة. بل الذي يتحمّل هذه الكلفة في البلدان الغربية، كما تحدد المؤلفة القول، هم دافعو الضرائب عبر صناديق الضمان الصحّي.
