في الصفحة الأخيرة التي يوجهها الممثل الفرنسي الشهير جيرار دوبارديو لأحفاده، من الكتاب الذي صدر له مؤخرا، نقرأ الجملة التالية :« لقد أردت أن أبيّن لهم كيف كان جدّهم. والتوقف عن قول ما يقال ولا معنى له».
يحمل الكتاب عنوان « هكذا صيغت الأشياء» الذي ساهم في صياغته الكاتب الفرنسي « ليونيل دوروا». ويتحدّث فيه دوبارديو عن حياته الشخصية وعن أسرته وعلاقاته «الصعبة والمعقّدة» مع أفراد أسرته بما في ذلك ابنه غيّوم الذي توفي بحادث عام 2008.
ويصفّي جيرار دو بارديو في هذا الكتاب، المؤلف من سلسلة من الفصول القصيرة من حيث عدد صفحاتها، الكثير من «الحسابات» مع من اعتبر أنهم أساؤوا له. ولا يتردد أن يعلن غضبه حتى من أولئك الذين أحبّهم. ونقرأ أنه صرخ ذات يوم بوجه أفراد أسرته :« ماذا تريدون في نهاية المطاف؟. ما عليكم سوى أن تغيّروا أسماءكم إذا كان هذا الاسم ــ دوبارديو ــ يزعجكم».
إن الممثل الشهير اليوم يعود إلى الحديث عن ذكريات طفولته ومراهقته الأولى في بلدة «شاتورو» التي وُلد فيها. ومما يكشف عنه من طفولته تأكيده أن أمّه حاولت عندما كان مجرّد جنين في أحشائها أن «تتخلّص منه». ذلك تحديدا بواسطة «الإبر الطويلة المستخدمة في حياكة الثياب».
ويتوقف مرّات عديدة في هذا الكتاب للحديث عن واقع الفقر الذي عاشه في طفولته وكيف مارس العديد من الأعمال: الصغيرة لتأمين الحد الأدنى من سبل العيش. ويصف مساره بأنه كان «استثنائيا» حيث بدأ من أسفل درجات السلّم الاجتماعي وصولا إلى قمّة الشهرة والعمل مع كبار نجوم السينما ومخرجيها وحيازة عشرات الجوائز في هذا الميدان.
ورغم إعلان جيرار دو بارديو الصريح عن تعلّقه وحبه لفرنسا وللقدرة الإبداعية التي يتمتع بها الفرنسيون في العديد من الميادين من العلم إلى الفن وعالم الأزياء والأطعمة وغير ذلك، فإنه «لم يعد يعيش هناك»، أي في فرنسا. ويشرح ذلك بالجملة التالية:« لست أنا الذي تخلّى عن فرنسا، لكن الفرنسيين هم الذين يتخلّون عن أنفسهم».
ويضيف شارحا أيضا أن الفرنسيين فقدوا الإحساس بالسعادة في فرنسا كما فقدوا الثقة بها وبمستقبلها. ويحدد القول إن الفرنسيين من سكان منطقة بروتانيا، «البروتون» كما شاعت تسميتهم، هم وحدهم«مثله» الذين «لم يتخلّوا» عن أنفسهم وما زالوا يُظهرون أنهم يمارسون متعة السفر واكتشاف بلدان جديدة.
الصورة التي يرسمها جيرا دوبارديو لفرنسا اليوم تبدو غريبة ،كما يراها، عن إرث «الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789 » . بل هي غريبة عن صورة فرنسا في ظل الجنرال شارل ديغول وخليفته جورج بومبيدو الذي يصفه بـ «الرجل الصريح والوقور » مع ذكر «زوجته ذات الثقافة العالية». وتقول الجملة الأخيرة من هذه السيرة الذاتية :«اذهب وتمتّع بكل لحظة من حياتك. وحاول أن تكون سعيدا».
