ساد الغرب على العالم خلال خمسة قرون من الزمن تقريبا منذ نهايات القرن الخامس عشر وحتى أواخر القرن العشرين. واستطاع خلال تلك الحقبة كلّها أن يحقق قدراً كبيراً من التطوّر بالقياس إلى مناطق العالم الأخرى. ذلك في ميدانين رئيسيين هما الاقتصاد ومستوى الحياة المادية. لكن يبدو أن الصورة تتغيّر الآن..
فالبلدان التي كانوا يطلقون عليها توصيف العالم الثالث بالقياس إلى العالم الأوّل، أي الغرب، غدت اليوم تسمّى عموما «البلدان الصاعدة». وفي طليعتها الصين والهند، حيث إنهما بصدد ردم الهوّة التي كانت تفصلهما عن الغرب، بل هناك الكثير من التقديرات التي تشير أن الصين قد غدت في المربّع ما قبل الأخير لاحتلال مرتبة صدارة العالم على الصعيد الاقتصادي.
المؤرّخ الاقتصادي البريطاني «نيال فيرغوزن»، الأستاذ الجامعي وصاحب العديد من الكتب عن «المال والتاريخ المالي» للعالم يشرح أن الأمر يتعلّق بالأحرى في «انحدار الغرب» وتراجعه وليس في «صعود الآخرين». هذا ما يشرحه في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «التفسّخ الكبير».
مادة هذا الكتاب هي في الأصل سلسلة من المحاضرات التي ألقاها المؤلف في العديد من المناسبات. والخط الناظم الأساسي لتحليلات العمل هو التأكيد أن الغرب هو في طريقه لفقدان مكانته التي اكتسبها بعد الثورة الصناعية الكبرى وبعد عصر الإمبراطوريات التي أشادها في مناطق شاسعة بعيدة في أغلب الأحيان عن مراكزه «الحضارية »، في أوروبا بشكل خاص. ويشير المؤلف أن أطروحة تقهقر الغرب وانحلاله ليست جديدة بل هي قديمة جدا، لكن أعراضها أصبحت تحيط بنا.
ويشرح أن حالات التقهقر يمكن أن تكون مؤقتة. وهو يضرب مثلا على ذلك كيف أن بريطانيا كانت قد غرقت في الديون خلال القرن التاسع عشر. ولكنها عرفت كيف تنطلق بعملية توسع صناعي كبيرة تواكبت مع توسع استعماري لتصل بالنتيجة إلى تعويض ما كان قد تكدّس عليها من ديون.
ومن الأفكار الأساسية التي تتردد في تحليلات هذا الكتاب أن الغرب هو بصدد العديد من الأوراق الرابحة التي كانت هي ركائز تقدمه وتفوقه منذ خمسة قرون. الأمر الذي كانت نتيجته المنطقية هي «تقهقر الغرب» وإصابته بحالة «من الجمود» شبيهة بتلك التي كانت قد عرفتها الصين خلال القرون السابقة وقبل أن تبدأ مسيرة صعودها الجديدة قبل ثلاثة عقود من الزمن.
وهناك سيادة «نمط غير منتج من الرأسمالية» بحيث أصبح المحرّك لها هو الحصول على الريع المالي وليس إنتاج السلع. هذا في ظل وجود نقص كبير فيما يتعلق بعملية «ضبط عمل» القطاع المالي. لكن بالمقابل يرى المؤلف أن المبالغة في الضبط يمكن أن تكون عائقاً «أمام النمو الاقتصادي». ويحدد موقفه في «الوسط»..
حيث يرى أن بعض الضبط ضروري، مع إدانة أولئك الذين يخرقون اليوم قواعد الضبط السارية المفعول. «التفسّخ الكبير» كتاب يحاول فيه المؤرّخ والاقتصادي «نيال فيرغسون» أن يحدد بكثير من البساطة والوضوح المشاكل التي يواجهها الغرب اليوم الذي يفقد أوراقه الرابحة واحدة بعد الأخرى.
