يردد المختصّون بالدراسات المستقبلية القول إن البرازيل، البلد الذي يحتل المرتبة الخامسة في العالم على صعيد عدد سكانه والمرتبة السابعة على المستوى الاقتصادي العالمي، ستصبح في أفق عام 2030 أحد أهم القوى العالمية على مختلف الأصعدة. «البرازيل، الصعود العسير لقوّة عالمية»، هذا هو عنوان الكتاب الصادر مؤخّراً عن جامعة «يال» الأميركية لمؤلفه الصحافي في مجلة «الإيكونومست» والمختص بـ «القارّة المنسية، أميركا اللاتينية»، كما جاء في عنوان كتابه السابق.

يشير المؤلف بداية إلى أنه رغم الأهمية التي يدركها الجميع للبرازيل في السياق الدولي الحالي فإن الأغلبية الساحقة من المحللين تركز تحليلاتها على العملاقين الآسيويين الصاعدين؛ أي الصين والهند، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي السابق.

ثم يقدّم المؤلف عدداً من الدلائل التي تصبّ في تأكيد أن البرازيل «بدأت ترفع رأسها» كي تبدو على مستوى «الإمكانات الكبيرة» التي تمتلكها. ويرى في هذه الدلائل مقدّمة لما ستصبح عليه البرازيل كـ «ممثلة لأمّة كبيرة» لها مكانتها بين الأمم الكبرى في عالم الغد. من هنا بالتحديد يأتي توصيفها بـ «الصاعدة». ذلك بمعنى أنها هي بصدد الخروج من فئة البلدان النامية وتتأهّب للدخول في نادي البلدان الغنية المتطوّرة.

لكن الصعود الذي يقدّم المؤلف «قراءة» للمؤشرات العديدة عليه يواجه وسيواجه أيضاً، حسب رأيه، الكثير من «التحديات الكبيرة»، التي سيكون على البرازيل التغلّب عليها قبل أن تحتل موقعها كقوّة عالمية كبرى. وعلى رأس تلك التحديات «السيطرة على التضخم» الناجم عن السياسات الإصلاحية..

و«التغلّب على آفة الفقر» التي تعاني منها نسبة كبيرة من البرازيليين، و«مواجهة العديد من المشاكل الاجتماعية الأخرى». مواجهة هذه التحديات وعدد غيرها هو الشرط الذي ينبغي على البرازيل تحقيقه، كما يشرح مؤلف الكتاب، من أجل «تحقيق الصعود» إلى مصاف القوى الكبرى.

إن مايكل ريد يذكّر بالعديد من الأوراق الرابحة التي تمتلكها البرازيل، وليس أقلّها أنها قوّة زراعية كبرى، حيث تحتل المرتبة الرابعة على المستوى العالمي والمرتبة الأولى بين منتجي القهوة وقصب السكر والبرتقال. والبرازيل هي أيضاً قوّة صناعية تمتلك ثروات معدنية كبيرة جعلت منها ثاني دولة على الصعيد العالمي في ما يتعلّق بتصدير الحديد وأحد المنتجين الأوائل للألومنيوم.

لكن تلك الأوراق الرابحة الكبيرة والمهمّة التي تدل على «الصعود البرازيلي» لا تلغي واقع أنه «صعود صعب». ويذكّر المؤلف بمظاهرات الاحتجاج الكبرى التي عرفتها البرازيل قبل استضافتها في صيف عام 2014 لبطولة كاس العالم لكرة القدم وهي تستعد لاستقبال الألعاب الأولمبية عام 2016. والاحتجاجات العديدة التي سبقتها في العام الماضي.

ويؤكد الكتاب أيضاً أن دور الدولة في توجيه الاقتصاد «له جذوره العميقة في البرازيل». ويشرح أن هذا التوجّه ليس بعيداً عن إعجاب البرازيليين بكل ما هو «من مصدر فرنسي». ليس ذلك فحسب..

ولكن كون أن الدولة في البرازيل حققت نجاحاً تجارياً كبيراً، خاصة في مجال المنتجات الزراعية، وزادت الإنتاجية كثيراً خلال الفترة الممتدة من الخمسينات إلى الثمانينات في القرن الماضي. لكن الدولة وصلت حالياً إلى حالة من الجمود، وهذه إحدى الصعوبات التي يرى المؤلف أنها تواجه «الصعود البرازيلي».

في المحصّلة ومن خلال العودة إلى تاريخ يفوق الخمسة قرون، يخرج المؤلف بنتيجة مفادها أن هناك مسائل أساسية لها تأثيرها في تطوّر البرازيل، وليس أقلّها شأناً واقع التباين الكبير في مستوى المعيشة بين البرازيليين، حيث يلعب«موروث العبودية» دوراً مهماً في ذلك. بكل الحالات يؤكّد المؤلف أن البرازيل هي «أحد أكثر بلدان العالم على صعيد التفاوت الاجتماعي».

ومن النتائج الأساسية التي يخلص لها مايكل ريد هي أن البرازيل عرفت طيلة تاريخها حركة اجتماعية انطلاقاً من القمّة نحو عامة الناس. ويرى أن حركة الاحتجاجات الأخيرة ونزول البرازيليين إلى الشوارع طيلة العام الماضي للمطالبة بخدمات عامّة أفضل إنما تدل على رغبة في إعادة صياغة البلاد عبر حركة اجتماعية بالاتجاه المعاكس.