ايزابيل اوسيتييه، بحّارة فرنسية جابت الكثير من مناطق العالم عبر البحار. واريك اورسينا كاتب فرنسي وعضو الأكاديمية الفرنسية. قام الاثنان معاً قبل ثماني سنوات برحلة بحرية إلى القطب الجنوبي على ظهر المركب «أدا» الذي تملكه البحّارة. ومن تلك الرحلة خرجا بكتاب مشترك حمل عنوان: «مرحباً في أقصى الجنوب».
ومنذ فترة قريبة قاما معاً برحلة جديدة قادتهما إلى النرويج ثم نحو الشرق وصولاً إلى شواطئ سيبيريا ومضيق «بيرينغ» حيث تتلامس «تقريباً» روسيا مع أميركا، وحيث يوجد الممر من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ ــ الباسيفيكي ــ والحد الفاصل بين آسيا والغرب. ومن هناك اتجها غربا بمحاذاة ألاسكا.
تلك الرحلة ــ المغامرة تشكل موضوع كتابهما المشترك الجديد تحت عنوان «المرور من الشمال. الطريق البحري الجديد» والصادر قبل أسابيع قليلة.
من التوصيفات الكثيرة التي يقدّمها المؤلفان عن تلك المنطقة الشمالية من الكوكب الأرضي الذي نعيش عليه هو أنها «تعجّ بالثروات التي ليس أقلّها قيمة البترول والغاز». ومما نقرأه: «إن السيطرة على الطريق البحري للمرور من الشمال إلى الشرق والاستثمار مستقبلاً لحقول الغاز والبترول دفع فلاديمير بوتين إلى إخراج دفتر شيكاته».
ذلك بالإضافة إلى الثروة الكبيرة التي يمثّلها الصيد البحري. وتحديد القول مثلاً إنه يوجد في بحر «بارنتس» بالمنطقة الاركتيكية «في شمال العالم» ما يزيد على 150 نوعاً من الأسماك ذات القيمة الشرائية المهمّة».
وما يثير بالتالي «أطماع القوى الكبيرة المتاخمة»، وفي مقدّمتها روسيا، كما يشرح المؤلفان. والإشارة أن روسيا تملك اليوم الأسطول البحري الأكبر في العالم من كاسحات الجليد البالغ عددها 20 كاسحة بينها ثلاث كاسحات «نووية». بكل الحالات يتم التأكيد أنه إذا تابع الجليد انحساره بالإيقاع الحالي فإنه يمكن أن يختفي تماماً في أفق عام 2030 .
والإشارة في هذا الإطار أن روسيا اليوم بعيدة عن مثل ذلك الاقتراح، وتميل إلى بناء منشآت ذات طابع عسكري في سيبيريا، بينما تعلن كندا أن الممر البحري من الشمال إلى الغرب (من غرولاند إلى الاسكا) ليس «ممرّاً مائياً دولياً» بل هو معبر في «بحر داخلي». ويشير المؤلفان أيضاً إلى أنه لا ينبغي نسيان واقع أن هذا «الطريق البحري» لا يزال محفوفاً بالمخاطر طيلة العام، وأن «الكتل الجليدية» دائمة الوجود حتى خلال فصل الصيف.
وبعد الحديث طويلاً عن سمات تلك المنطقة المجهولة إلى حد كبير حتى سنوات قريبة خلت ينتقل المؤلفان للتأكيد على الأهمية الجيوسياسية التي يكتسيها ذلك «الطريق البحري الجديد» ويريان في «اكتشافه» نوعاً من «الثورة الحقيقية» التي لا بدّ وأن تكون لها آثارها في التوازنات الاقتصادية الكبرى بالعالم اليوم.
إن مؤلفي الكتاب يتعرّضان بالشرح والتحليل لجميع الرهانات الكبرى التي ترتسم في الأفق القريب، حيال منطقة القطب الشمالي البحرية. ويكتبان «إن طريق الشمال ــ الطريق البحري الجديد ــ لم يكن حتى فترة قريبة من الزمن سوى مجرّد مسرح مظلم ومجهول إلى درجة كبيرة حاول الظهور عليه بعض المغامرين الذي أرادوا القيام بإنجازات قطبية كبرى. لكن ها هو اليوم يغدو أحد الرهانات في صميم الرهانات الجيوسياسية ــ الجيوبوليتيكية ــ العالمية كما في اقتصاد العالم».
