وقّعت الصين واستراليا قبل فترة وجيزة، اتفاقاً تجارياً استراتيجياً بدأت المفاوضات حوله منذ عام 2005 . وكان الاتفاق الذي فاوضت الصين حوله أطول فترة بالقياس إلى جميع الاتفاقات التي فاوضت عليها في تاريخها الحديث. وهذا دليل على الاهتمام الكبير «المتبادل» بين البلدين.
«اندرو شارلتون»، المستشار السابق لمدّة سنوات لدى رئيس وزراء استراليا، يقدّم كتاباً تحت عنوان «ذيل التني» الذي يكرّسه للحديث عن اقتصاد الصين، وخاصّة عن العلاقات المتميّزة التي تقيمها استراليا مع القوّة الصينية الصاعدة التي أسهمت إلى حد كبير، حسب التحليلات المقدّمة،في «سحب استراليا وراءها» وجعلتها تتمتع بدرجة مهمّة من «الثراء».
في القسم الأول من الكتاب يشرح «اندرو شارلتون» مدى ضخامة «الخطوات الاقتصادية» التي أنجزتها الصين خلال عملية صعودها خلال عقود قليلة من الزمن. ولا يتردد في القول إن الصعود الصيني مثّل «الحدث الأكبر خلال قرنين من الزمن». ذلك أن الآلة الإنتاجية الصينية أنتجت خلال تلك الفترة 100 ضعف وفي بعض المجالات 1000 ضعف ما أنتجته الثورة الصناعية البريطانية.
ويشرح المؤلف أيضاً أن استراليا وجدت نفسها «مقطورة» في حركة الصعود الصيني، اعتباراً من سنوات التسعينات المنصرمة. ذلك أنها كانت أحد المصادر الأساسية لتزويد «التنين الصيني» بالمواد الأوّليّة لتغذيّة الصناعة الصينية في جميع فروعها ومشاربها. بهذا المعنى شاركت استراليا في التحوّل الكبير الذي عرفته «إمبراطورية الوسط»، كما يطلقون على الصين.
وفي إطار الحديث عن «بلاد الحظ بعد الازدهار الصيني»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب، حيث يُطلق على استراليا توصيف «بلاد الحظ»، يشرح المؤلف أن كميّات كبيرة من المواد الأوليّة، وخاصّة «مادّة الحديد» التي يتم استخراجها من مناجم الحديد الغنيّة في المناطق الغربية من استراليا، تمثّل «حمولات كاملة للسفن التي تتجه صوب مرافئ الصين من أجل بناء مدنها الجديدة العملاقة» بكل ما تحتوي عليه من مكاتب وجسور وأبنية شامخة.
وإذا كان مؤلف الكتاب يؤكّد أن الصين الصاعدة لعبت دوراً مركزياً في زيادة ثروة استراليا خلال العقدين الأخيرين بصورة خاصّة، فإنه يشير في الوقت نفسه إلى «الشهيّة الكبيرة» التي تتمتع فيها الصين بالنسبة إلى المواد الأولية.
ويشرح أنه كان لذلك الوجه المشرق للميدالية بالنسبة إلى استراليا، لكن كان لها أيضاً وجهها الآخر. ذلك أن الصين أسهمت أيضاً في «إضعاف قدرة العديد من القطاعات الاقتصادية الاسترالية على المنافسة»، كما يكتب المؤلف.
ويذهب «اندرو شارتون» في السياق نفسه، إلى إطلاق نوع من التحذير بأن «فسحة الازدهار» التي عرفتها استراليا في سياق صعود الصين القوي التي لعبت دور «القاطرة» للاقتصاد الاسترالي قد أسهمت في جعل الجزيرة ـ استراليا ـ على درجة من الهشاشة حيال أي «انقلاب في التوجّه» قد تعرفه الصين.
بكل الحالات، ما يؤكّده المؤلف هو أن أية انتكاسة للاقتصاد الصيني مهما كان مصدرها «ذاتياً» أو «خارجياً» ستكون لها آثارها السلبية الكبيرة، و«ذات الطابع المأساوي» حسب التعبير المستخدم، على استراليا. ذلك أن انخفاض الطلب الصيني على المواد الأولّية الاسترالية سيكون منه آلياً أن يجعل موارد البلاد المالية أقل، وبالتالي سيكون عليها أن تعيد النظر في سياساتها الاقتصادية، بل وفي الأسس التي تقوم عليها ثروتها الحالية.
الخطوة العملية النهائية التي يرى مؤلف هذا الكتاب أنها ضرورية ولا بدّ منها تتمثّل في التوقف عن «التغذية من الطلب الصيني». ذلك في منظور مواجهة أفق ما بعد النمو الاقتصادي الصيني والبحث عن سبل تحقيق النمو الاقتصادي الاسترالي على أسس القدرة على المنافسة في إطار عالم «متبدّل». والكتاب دعوة إلى الاستراليين للتأمّل في واقع العلاقات مع الصين ونتائجها القريبة والبعيدة على مستقبل «الجزيرة الاسترالية العملاقة».

