يتردد الحديث في فرنسا وفي القارّة الأوروبية عموما عن الأصول الهندية ــ الأوروبية للغات معظم شعوب أهل القارّة. وليس فقط للغاتهم بل يعتبر كُثر أن المسألة تتعلّق بأصولهم أيضا. فـ«أين ذهب الهنود – الأوروبيون؟»، هذا هو العنوان الذي اختاره عالم الآثار والأخصائي الفرنسي المعروف في حقبة ما قبل التاريخ الأوروبي جان ـ بول ديمول لكتابه الأخير.

إحدى المقولات الشائعة في العالم الأوروبي عموما مفادها أن أغلبية اللغات الشائعة في أوروبا مثل الجرمانية أو اللاتينية أو االسلافية تعود إلى جذر لغوي واحد يتمثل في العائلة اللغوية الهندية ــ الأوروبية. ومثل هذا الانتماء اللغوي يترتب عليه بالضرورة انتماء آخر أوسع وأعمق هو أن الشعوب التي تتحدث اللغات المعنية تنحدر هي أيضا من شعب واحد.

مؤلف هذا الكتاب يرفض بشكل قاطع مثل تلك الفكرة وينعتها بأسطورة اللغة الأصلية. كما يرفض كل ما قيل عن أن الهنود ــ الأوروبيين شوهدوا وهم يقبلون صوب أوروبا انطلاقا من السهوب الروسية بينما يحدد آخرون أنهم قدموا من تركيا، ويدّعي غيرهم أنهم شوهدوا يقبلون من أقصى شمال الكرة الأرضية. هنا يفتح المؤلف قوسين كي يطرح السؤال التالي: لكن من هم أولئك الهنود الأوروبيون؟

من الأفكار التي يستعرضها المؤلف تلك القائلة إن ذلك الشعب الصغير الذي يمثّل الأجداد القدامى للأوروبيين هو شعب من الفاتحين الذين استطاعوا منذ آلاف السنين السيطرة على القارّة الأوروبية وجزء من آسيا وصولا إلى ما يمثّل إيران اليوم وإلى الهند.

والفكرة الأساسية التي تتردد بهذا الخصوص مفادها أن ذلك الشعب ــ الجذر المشترك الذي يرجع له الهنود، كما الأوروبيون، كان قد قطن في مرحلة أولى وطنا جغرافيا غير محدد المكان وانطلق منه في فتوحات بمختلف الاتجاهات في الفترة الأولى من العصور التاريخية.

ومع مرور القرون غدت فكرة الهويّة الأصلية بمثابة إحدى ركائز العلوم الإنسانية في الغرب عموما. وهذا ما تمّت دراسته على صعيد القواعد اللغوية المقارنة و«الأساطير المقارنة» ومختلف الدراسات الخاصةبحقبة «ما قبل التاريخ».

ولا يتردد جان ــ بول ديمول، مؤلف هذا الكتاب، في التأكيد أن كل تلك المقولات المتعلّقة بالأصول الهندية ــ الأوروبية للغات الأوروبية الحالية ولشعوب القارّة إنّما هي مقولات «عارية عن الصحّة». ويشرح أنه تمّ «بناؤها» من أجل مواجهة العديد من المستجدات «التاريخية» في محاولة لتأكيد الانتماء «الخاص» للأوروبيين لشعب محدد يشكّل جذرهم وبالتالي يميّزهم عن بقيّة الشعوب الأخرى وعن إيديولوجياتها.

يحدد المؤلف القول في مواجهة جميع الأطروحات الخاصّة بالانتماء الهندي ــ الأوروبي بالنسبة للغات أوروبا ولشعوبها وبالقول بتفوّق العرق الآري أن ما يمكن أن يثبت حقيقة تلك المقولات أو أسطورتها هو بالتحديد علم الآثار.

ويؤكّد «جان بول ديمول» اعتمادا على ما تمّ التوصّل إليه في هذا المجال، علم الآثار، أن الحفريات الأثرية الأكثر علمية وحداثة لم تثبت «مصداقية أية فرضية مقترحة» حول الطرق التي سلكتها فتوحات الهنود الأوروبيين.

وفيما هو أبعد من حقيقة وجود، أو عدم وجود، شعب هندي ــ أوروبي في الأصل ومن الجذر اللغوي المشترك للكثير من اللغات الأوروبية وغيرها، يطرح مؤلف هذا الكتاب مسألتين عامّتين هما مكانة الخيال في المعرف ومعنى ووظيفة فكرة الأصل الهندي ــ الأوروبي.

لكن أين ذهب الهنود ــ الأوروبيون.