بعد أن قدّم الباحث الأميركي المختص بعالم الخيال الروائي وبتبسيط المعارف العلمية «والتر ايزاكسون» كتابا عن «سيرة حياة ستيف جوبس مؤسس مجموعة آبل الشهيرة والرائدة في العالم الرقمي اليوم، يقدّم كتابا جديدا تحت عنوان المجددون يكرّسه لأولئك الذين دفعهم فضولهم وهوسهم بمعرفة آليات عمل المنظومات العلمية والذين يضمّهم في إطار مجموعة المبدعين الذين كانوا وراء إبداع الثورة الرقمية، كما يفيد العنوان الفرعي للكتاب.

يبدأ المؤلف بطرح عدد من الأسئلة عن الأسباب التي كانت وراء دفع المبدعين لولوج السبل التي سلكوها؟ وما هي الأسباب وراء نجاح البعض وإخفاق آخرين؟ وما هي الآفاق التي فتحها المبدعون أمام العالم الذي يعيشون فيه؟ وما هي الأخطار التي تنطوي على عملهم؟...الخ.

المبدعون الذين يعنيهم مؤلف هذا الكتاب هم أولئك الذين كانوا وراء اختراع الحاسوب الالكتروني وشبكة الانترنت وغير ذلك من ثمرات الثورة الرقمية التي غيّرت إلى حد كبير وجه العالم الذي نعيش فيه. وهو يعود إلى فترات سابقة كثيرا للثورة الرقمية بالمعنى المستخدم اليوم.

ويمثّل هذا العمل بصورة أساسية نوعا من كتابة سيرة شخصية مقتضبة جدا، وقبل ذلك علمية ومهنية لـ12 مبدعا من بينهم شخصيات شهيرة في عالم اليوم وليس أقلّها ستيف جوبس مؤسس آبل، وبيل غيتس الذي ارتبط اسمه بعدد من مشاريع المعلوماتية الرقمية وعلى رأسها ميكروسوفت للبرمجيات.

هكذا يعيد المؤلف للذاكرة اسما مجهولا بالنسبة للجميع تقريبا هو ادا لوفيلاس الابنة الوحيدة لـ«اللورد بايرون» التي كانت قد أطلقت في الواقع «البرمجة المعلوماتية» في سنوات الأربعينات من القرن التاسع عشر. ويشير «والتر إيزاكسون» أن «المفارقة الكبيرة في الثورة الرقمية» تأتي من حيث إن هذه «المغامرة التكنولوجية ــ الفكرية» تنحدر من عملية توحيد «غريب» بين الفنون والعلوم.

وهذا بالتحديد ما رأى المؤلف أن «ادا لوفيلاس» تجسّده إلى حد كبير. ويشير أن والدة «ادا» التي كانت تشتكي باستمرار من «خيانات زوجها» قامت بتوجيه ابنتهما الوحيدة نحو تعلّم الرياضيات وإتقانها مستفيدة من تلك القدرات العالية في الذكاء الذي كانت قد ورثته عن أبيها.

وتعاونت الابنة «ادا» مع أخصائي الرياضيات الإنجليزي «تشارل بيبيج» للجمع بين الإبداع الفني والعلمي بحيث كانت وراء اختراع «اللوغاريتم» الأوّل المكرّس للتنفيذ من قبل الآلة، أي ما يمكن اعتباره عملية «البرمجة الأولى في تاريخ البشرية». بهذا المعنى كانت تلك أيضا الخطوة الأولى «البعيدة» في المسار الذي أدّى إلى الثورة الرقمية.

في المحصلة يمكن اعتبار هذا الكتاب، الذي عرف طريقه لأخذ مكانة سريعا في قوائم الكتب الأكثر انتشارا في الولايات المتحدة الأميركية بمثابة عمل في كتابة التاريخ «الرقمي للعالم». ذلك بمعنى العالم الذي نعيش فيه اليوم على إيقاع «الثورة الرقمية».