ظلّ الدماغ الإنساني حتى فترة قريبة من الزمن أحد الألغاز الكبرى بالنسبة للطب. كان عالما مجهولا تمّ التعامل معه بكثير من الحذر. لكن غدت جراحة الدماغ أحد فروع الطب المعروفة اليوم. ولا يزال، مع ذلك، الفرع الأكثر حساسية بين فروع الطب الأخرى. وجرّاح الدماغ البريطاني «هنري مارش» يلج خبايا ورهانات جراحة الدماغ في كتابه الذي يحمل عنوان: «لا تكن سببا مؤذيا»، مع عنوان فرعي مفاده: «قصص الحياة والموت وجراحة الدماغ».

وبعد أن يشرح المؤلف ـ الجرّاح أنه قرر الاختصاص في مجال جراحة الدماغ بعد سنوات من التدريب وبعد حضوره عملية دقيقة في الدماغ، يقوم بطرح عدد من الأسئلة مثل ما معنى أن تكون جرّاحا للدماغ؟

وما هي الأحاسيس التي قد تنتاب من يجد نفسه أمام تدخل خطير في مصدر الفكر والمشاعر وكل ما يتعلّق بالمحاكمات العقلية؟ ثمّ كيف يمكن للإنسان أن يتحمّل مسؤولية عمل جراحي قد ينقذ من يتعرّض له ولكن قد تسير الأمور بشكل غير ما كان منتظرا؟ وأسئلة أخرى من نفس الطبيعة.

ولا يتردد المؤلف ــ جرّاح الدماغ في القول إنه يأخذ في مهنته كل يوم قرارات في غاية الدقّة، وقرارات «غير مضمونة النتائج في المحصّلة». وقرارات صعبة خاصة في مواجهة مريض يكون «منطقيا» من بين المرضى الأكثر «ذعرا» عندما يدركون أنهم مصابون بـ«ورم دماغي».

بكل الحالات يرى المؤلف أنه «ينبغي على الجرّاحين قول الحقيقة للمريض ولكن لا ينبغي أبدا حرمانه من كل أمل». وعن موقفه يقول: «أقول لهم إذا كانوا ذوي حظ جيّد يمكنهم العيش سنوات عديدة أيضا».

وفي كل فصل من فصول هذا الكتاب يجد القارئ كلاما «جارحا للمشاعر»، لكنه بالوقت نفسه كلام «صريح» ويعرض واقع ووقائع جراحة الدماغ الإنساني اليوم حيث يكون خطر الموت ماثلا باستمرار أو خطر الإعاقة المستدامة طيلة حياة المريض. كذلك لا «يوفّر» المؤلف قارئه من استخدام القاموس الطبي الدقيق مع كل التفاصيل التي تستوجبها جراحة الدماغ.

ويعتبر المؤلف أن تلك القدرة على تأمّل الدماغ وآلية عمله والتدخّل الجراحي فيه، فيما هو أبعد من الأخطار المترتبة على ذلك، تجعل، أي قدرة التأمل، فرع الجراحة الدماغية ذا خصوصية كبيرة في مهنة الطب.

لكن بالمقابل يدعو المؤلف قارئه إلى رحلة في مجاهل الدماغ الإنساني والتعرّف على «تصميماته المعمارية الرائعة» التي يتم وصفها وكأنها «صروح في حديقة جميلة». يكتب المؤلف بهذا الصدد بعد شرح ما يراه مجهره الدقيق في «دهاليز» الدماغ ما مفاده: «أنها ــ تلافيف الدماغ ــ أكثر وضوحا ـ إضاءة ــ وأكثر نظافة وأكثر بريقا من العالم الخارجي المتمثّل في أروقة المستشفى الداكنة».

ثم من الطبيعي والمألوف أن يتم النظر إلى جراحة الدماغ أنها الأكثر دقّة وخطورة بين مختلف الجراحات. ثمّ إن الأمر يتعلّق، حسب توصيف المؤلف ـ الطبيب بإحداث «ثقب في الجمجمة للتنقيب في دماغه عن الخلل. فـلا تكن مؤذيا.