ليست قليلة هي التحليلات التي يردد أصحابها القول إن «حروب المياه قد بدأت». الأمثلة التي تقفز سريعاً إلى الذهن في هذا الإطار أن أثيوبيا والسودان ومصر تبحث باستمرار عن آلية للوصول إلى اتفاق على اقتسام مياه نهر النيل. وتركيا والعراق وسوريا تنظر صوب مياه نهري الفرات ودجلة. لكن في الحالتين يبقى «أفق النزاع مفتوحاً».
وعلى خلفية رهان المياه أيضاً يشرح المؤلف أن هناك توتراً بين الصين والهند في المنطقة «قوس جبال هيملايا». وموضوع المياه و«رهاناتها الجيوسياسية وإستراتيجياتها» هو مركز اهتمام الباحث الفرنسي «فرانك غالاّن»، رئيس ومؤسس مدير وكالة للمسائل المتعلّقة بالبيئة منذ عام 2010..
والخبير في «مؤسسة البحث الإستراتيجي» في باريس. وبعد أن كان قد كتب عشرات المقالات والدراسات في المسائل المتعلّقة برهانات المياه في العالم يكرّس كتابه الأخير للموضوع نفسه تحت عنوان «اللعبة الكبرى» الخاصّة بالأبعاد الجيوستراتيجية للمياه.
يتم الربط في التحليلات المقدّمة بين الأهمية الجيوستراتيجية للمياه وبين الحاجة إليها في العديد من الميادين. وليس أقلّها الاستخدام في المدن وفي الزراعة.. والتركيز أيضاً على «التداخل بين «الماء والطاقة» وآليات تزويد المدن بهما». هذا وصولاً إلى القول إن «المسائل المائية ــ المتعلّقة بالمياه ــ غدت أحد الرهانات الكبرى في القرن الحادي والعشرين».
ويركز المؤلف على القول إن العديد من الوقائع المتعلّقة بالمياه ورهاناتها تشير إلى استمرار حالتين سيكون لهما أثرهما الكبير بالنسبة للمستقبل. من جهة هناك بعض المناطق في العالم تعاني منذ فترة طويلة من «مشاكلات مائية خطيرة» تؤدّي إلى توترات لا تنتهي مما يجعل انفجار النزاعات ممكناً، مع ما يترتب على هذا من تهديد «إقليمي» أو فيما هو أبعد من ذلك إلى تهديد الاستقرار الدولي كله.
ومن جهة أخرى إدراك الجميع أن إيجاد حلول للمشكلات «الخطيرة» المطروحة أمر ممكن ومتوفّر. وأن العوائق أمام ذلك ليست ذات طابع تقني ولكنها بالأحرى تتعلّق بمسألة التمويل. ذلك أن المبالغ المطلوبة لتنفيذ المشاريع المائية الكبيرة هي مبالغ هائلة ولمالكي الوسائل في أغلب الأحيان «أولويات أخرى».
هذا الرهان الجيوستراتيجي يرى فيه مؤلف الكتاب مصدراً محتملاً لـ «النزاعات والحروب». ومن الملاحظ أن مؤلف هذا الكتاب لا يكتفي بطرح المسائل «النظرية» المتعلّقة بالمشكلات والرهانات التي تطرحها المياه على البلدان والمناطق المعنية بها، لكنه يقوم بدراسة العديد من الحالات العيانية. هكذا مثلاً يرى أن مشكلة المياه في الشرق الأوسط هي من الأكثر إلحاحاً في العالم..
وأنها تشكل أحد أكبر الرهانات بالنسبة لبلدانها وأحد مصادر التوتر الحقيقية فيها. لكن المؤلف يعيد قراءة هذه الحقيقة المعروفة للجميع على ضوء الأحداث الأخيرة التي عرفها العالم العربي. ذلك على أساس أن ثلاثة بلدان كانت مسرحاً لتغيرات كبرى هي التي تواجه مشكلات خطيرة على صعيد المياه. ويرى أن الأوضاع الجديدة التي ترتسم في أفق ما يبدو نوعاً من إعادة ترسيم جديد تدفع دول المنطقة إلى التحرّك على ضوء ما يجري.
وفي النهج نفسه من التحليل يتعرّض المؤلف بإسهاب للحالة الصينية. يشرح أن الصين تولي انتباهاً كبيراً لتعزيز تواجدها في أثيوبيا. كذلك يناقش المؤلف على مدى العديد من الصفحات اهتمام الصين بالرهانات المائية المستقبلية على ضوء الأوضاع الداخلية الصينية. ويرى أن الصين الصاعدة والتي تمثّل أحد مصادر إصدار الغازات التي قد تساهم في زيادة سخونة الأرض وبالتالي في إمكانية شح المياه.
إنه كتاب تسمح قراءته بفهم أفضل لـ «الخارطة المائية» العالمية ولرهاناتها الجيوستراتيجية الحالية والمستقبلية.
