البدانة والسمنة المفرطة هما في مقدمة «أوبئة» العصر، هكذا يقول ويردد العاملون في قطاع الصحّة. بالتالي غدا اتباع الأنظمة الغذائية ــ الريجيم ــ من الممارسات السائدة في هذا العصر. ويكاد التعرّض لهذا الموضوع في المطبوعات والنقاشات المرئية أو المسموعة من الأكثر شيوعا اليوم. وأحد القواسم المشتركة بينها كلّها هو الحرص على تجنب أكل المواد الدسمة من مشتقات الحليب، وخاصّة الزبدة والأجبان، واللحوم.
لكن صحفية التحقيقات «نينا تيشلوز» تؤكّد من جهة على خطورة البدانة وزيادة الوزن لكونها عوامل «خطر» من حيث أنها ربما تكون وراء الإصابة بعدد من الأمراض التي ليس أقلّها السكري وأمراض القلب، وحتى بعض الأوروام السرطانية. وتؤكّد من جهة أخرى على أن «الزبدة واللحوم والأجبان تدخل في النظام الغذائي السليم»، كما يقول العنوان الفرعي لكتابها الذي يحمل عنوان « المفاجأة الضخمة والدسمة».
هذا الكتاب هو في صميمه بحث في «سياسة التغذية». ذلك أن المؤلفة توجّه «تحقيقها» على مدى صفحات هذا العمل للبحث عن «المسؤول» عن التحوّل الذي تمّ منذ عدّة أجيال من الاعتماد على التغذية الغنيّة بالسكر «المحوّلة»..
كما يدل الازدهار الكبير لتجارة مختلف أنواع الحلويات، وبالزيوت النباتية التي تعتبر المؤلفة أن «الإفراط باللجوء لها في المطاعم خاصّة في عمليات قلي الأغذية، يمكن أن تكون في غاية السوء بالنسبة للصحّة»؛ وذلك كلّه «على حساب» تناول المواد الدسمة.
ولا تتردد المؤلفة في توصيف ذلك التحوّل بأنه بمثابة «أحد الأفكار الأكثر خطورة وقتلا للحضارة الحديثة». والإشارة أنه تمّ تمرير تلك الفكرة تحت غطاء أنها تسعى إلى صياغة «نظام غذائي صارم ــ ريجيم ــ من أجل المحافظة على القلب سليما». المسار الذي أخذته نلك الفكرة هو الذي تتقصّى صحفيّة التحقيقات عنه وكأن الأمر يخص تحقيقاً «بوليسيا».
هنا يبرز اسم المدعو «بنيامين انسيل كايس» الذي تعتبره المؤلفة مسؤولا إلى حد كبير عن «الفوضى الغذائية» منذ أواسط القرن الماضي، العشرين. وتحدد القول انه بسببه مع عدد آخر من الباحثين في مجال التغذية السليمة شاعت آنذاك فكرة مفادها أن الدسم خطير على الصحّة.
وتشير المؤلفة أنه اعتمادا على دراسة مختلف التقارير الشائعة حول التغذية التي تقوم عليها «السياسات الوطنية الأميركية منذ أكثر من 50 سنة» تقوم، باسم العلم تحديدا، على الحد، إن لم يكن العمل على منع تناول الأطعمة الدسمة.
واعتبارا منذئذ بالتحديد شاع الخوف أن المواد الدسمة في التغذية هي أحد العوامل المسؤولة عن أمراض القلب وغيرها. والإشارة أن الكثير من وسائل الإعلام شاركت في الترويج لمثل تلك الفكرة باسم «نصائح من أجل الصحّة».
وكانت العديد من المجلاّت مثل مجلّة التايمز الأميركية الشهيرة وغيرها من الصحف والدوريات قد كرّست أغلفتها وصفحاتها الأولى لأهمية تناول الأغذية قليلة الدسم ولاقت إقبالا كبيرا على صعيد البيع.
على قاعدة ذلك الخوف، جرت عملية «إعادة نظر» في المنظومات الغذائية تحت عنوان جعلها أكثر «سلامة» بالنسبة للصحّة. وأكثر سلامة وجدت ترجمتها في الواقع و«للأسف» في الخروج « من تحت الدلف إلى تحت المزراب»، كما تشرح مؤلفة الكتاب. ذلك أن التحوّل كان سببا رئيسيا في تعاظم ظاهرة البدانة وما ترتب عليها الإصابة بمرض السكري « من النوع الثاني»، الذي يسببه تناول كميات كبيرة من السكريات، وعدد من الأمراض الأخرى ذات العلاقة بعملية «التمثّل الغذائي».
هذا الكتاب، «المفاجأة الضخمة والدسمة»، ليس كتابا عن الأنظمة الغذائية الصارمة ــ الريجيم ــ من نوع «كيف تفقد عدّة كيلوغرامات خلال أيام قليلة»، والتي عرف العالم منها العشرات، بل ربما المئات.
في هذا الكتاب تجمع المؤلفة بين الرصانة والدقة العلمية وبين السرد البسيط والجميل ليؤكّد أنه من الأفضل للصحة تناول كميّات أكبر من المواد الدســمة بما في ذلك اللحوم ومشتقات الحليب من أجبان وغيرها هو أفضل للصحّة وأيضا لتخفيف الوزن الزائد. ولا تتردد «نينا تيشولز» في التأكيد أن تجربتها الشخصيّة تثبت ذلك.

