عندما يتم الحديث عن الغرب، يقفز إلى الذهن أن المعني مباشرة وخاصّة بذلك، هو أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وبالتوازي مع ذلك الحديث عن المنظومة السياسية التي يتم تصنيفها في خانة البلدان الديمقراطية. وإذا كانت هذه المنظومة تعتبر نفسها أنها من بين أفضل المنظومات في العالم، فإن ذلك لا يمنع باحثين اقتصاديين بريطانيين على رأس مجلة «إيكونوميست» الشهيرة من القول إنه ينبغي على الغرب أن يبحث عن منظومة بديلة للديمقراطية بنسختها السائدة اليوم التي بدت أنها في غاية الإنهاك في العقود الأخيرة.

إن جون ميكليتوايت، رئيس تحرير مجلة «إيكونوميست» وأدريان وولدريج، أحد مديريها، يتشاركان معاً في كتاب يحمل عنوان «الثورة الرابعة». وهما يعرضان فيه رؤيتهما التي يشرحان فيها فكرة «جديدة» مفادها أن الديمقراطية «تقارب على النهاية» في الغرب. ويحددان القول إن المقصود هو الديمقراطية «على الطريقة الغربية».

ومن خلال عملية توصيف للحالة القائمة في البلدان الغربية المتقدّمة يصلان إلى القول إن الأنظمة في هذه البلدان وصلت في «النسخة الليبرالية الجديدة السائدة» الراهنة إلى ما يبدو بمثابة طريق مسدود، بحيث أنها لا تفعل سوى «زيادة تعميق حدّة أشكال العجز الاجتماعي والاقتصادي»، وما ينجم «زيادة حدّة أشكال القلق لدى الشرائح الشعبية».

ويناقش المؤلفان مسار التطوّر الذي عرفته الدولة في الغرب منذ القرن السابع عشر.إذ وُلدت من رحم النظام القديم «الدولة ــ الأمّة» باعتبارها الصيغة الأولى من أنماط الدولة الحديثة. وفي الحقبة الفكتورية بالمملكة المتحدة البريطانية تطوّر نمط الدولة الليبرالية، ثمّ ساد نمط ثالث في القرن العشرين بصورة «الدولة المانحة»، أي التي تتبنّى سياسات ذات طابع اجتماعي.

الفكرة الأساسية في مثل تلك العودة إلى الوراء يجدها المؤلفان في أن نموذج الدولة «المانحة» التي تتدخل في كل شيء لم تعد قابلة للحياة. وبالتالي لا بدّ من زيادة هامش حرية المبادرة، وبالتحديد على الصعيد الاقتصادي، في مقابل وضع حد لتوسّع زحف الدولة على مختلف النشاطات وقطاعات الحياة العامّة في البلدان الغربية.

بالتالي بقيت الدولة بنسختها الحديثة في الغرب تعاني، برأي المؤلفين، من «التورّم» و«التضخّم»، وبالتالي لا بدّ من «ثورة رابعة».. و«ثورة» لها هدف محدد هو «إعادة اختراع الدولة في السياق العالمي الراهن»، حسبما يدل العنوان الفرعي.

ولا يتردد المؤلفان في التأكيد بناءً على العديد من الشواهد المأخوذة من الصين الصاعدة التي لا يمكن نكران أنها حققت نجاحاً اقتصادياً استثنائياً، خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، أن الديمقراطية ليست «شرطاً ضرورياً لازماً وملزماً»، حسب ما يردده المنظّرون الغربيون. بل تتم الإشارة إلى أن القادة الصينيين الذين يمثّلون نموذجاً ــ موديلاً ــ للحكم ذا طبيعة استبدادية، تبنّوا سياسة «التكوين الجيّد» و«مراقبة عمل الموظفين والعاملين».

ويتم التأكيد في التحليلات المقدّمة في هذا السياق على أهميّة عامل الاستمرارية الزمنيّة. ذلك أن البلدان الديمقراطية ذات نظام التداول السياسي في الحكم على مدى زمني قصير جداً نسبياً، ينتهي بها الأمر إلى أن دولها لا تملك الزمن الضروري من أجل نشر سياساتها وبالتالي من أجل تنفيذها.

على خلفية مجموعة الأسباب التي يقدّمها المؤلفان يكرّسان الصفحات الأخيرة من الكتاب لشرح أن الدولة وصلت لحالة عجز تعرفها أغلبية الدول في الغرب، كما تدل سلسلة الأزمات المتكررة وما يترتب على خلفيتها من صعود للحركات المتطرّفة وفي بعض الحالات لبروز نزعات «حربية وعدوانية». ومن أجل مواجهة ذلك يطرحان فكرة «الثورة الرابعة» التي تقوم أساساً على «إعادة اختراع الدولة». والدولة التي يدعوان لها يصفانها بأنها «دولة ذات رؤية استراتيجية» تجمع بين «الضبط الديمقراطي» و«التخطيط على المدى البعيد». وهي «دولة تقوم على الكفاءة» حسب «الموديل الصيني»، لكن دون قمعه.