بعد أن قدّم المؤرّخ والمكتشف السويسري كريستوف بومير كتابه الأول عن تاريخ آسيا الوسطى عام 2012 تحت عنوان «تاريخ آسيا الوسطى: عصر محاربي السهوب» يقدّم اليوم كتابه الثاني حول الموضوع نفسه، «تاريخ آسيا الوسطى»، ولكن هذه المرّة «في عصر طرق الحرير». والإشارة إلى أن مشروع المؤلف هو كتابة تاريخ آسيا الوسطى في أربعة مجلّدات.

وبعد أن يشير المؤلف إلى «الدلالات المتنوّعة» لتعبير «آسيا الوسطى تبعاً لمن يستخدمونه من مكتشفين ورحّالة ومؤرّخين وجغرافيين وعلماء آثار ورجال سياسة وغيرهم، يقدّم نبذة تاريخية عن المراحل التي عرفها «المسار المضطرب» لهذه المنطقة من العالم.

ويشير إلى أنه سكنت المنطقة منذ القديم مجموعات سكانية متنوّعة وعرفت هجرات عدة إليها، خاصّة من شعوب «الهانس» القادمة من الصين. وتركّز وجود شعوب آسيا الوسطى في «حوض تاريم»، باسم النهر الذي يجتازه؟ والحوض المتداخل بين آسيا الوسطى والصين هو أكبر حوض في العالم، حيث تبلغ مساحته نحو 400000 كيلومتر مربّع.

وتشغل قسماً كبيراً من هذا الحوض صحراء «تاكلاماكان» التي قامت على تخومها مدن تمر فيها طرق الحرير الشمالية والجنوبية من وإلى الصين. ويكرر المؤلف القول بأشكال مختلفة على مدى صفحات الكتاب أن «حوض تاريم» في آسيا الوسطى عرف «تاريخاً ساحراً بسبب ما عرفه من وجود بشري» وما تعاقب عليه «من حضارات».

وبعد النبذة التاريخية التي يقدّمها المؤلف عن تاريخ آسيا الوسطى يفعل الشيء نفسه بالنسبة لتاريخ الحرير الطبيعي وطرقه المعروفة بتسمية «طرق الحرير». ويشرح أن الصين ظلّت على مدى قرون كاملة البلاد الوحيدة في العالم التي تمتلك «أسرار صناعة الحرير». أمّا الآثار المعروفة لأقدم طرقه فتعود إلى «ما قبل 2000 عام على الأقل من العصر الميلادي».

والإشارة أيضاً في نفس السياق إلى أن شبكة طرق الحرير حافظت على أهمية كبيرة على مدى قرون طويلة قبل أن تفقد الكثير من قيمتها اعتباراً من القرن الخامس عشر الميلادي، إثر بداية فترة الاضطرابات والحروب العثمانية ــ البيزنطية، وحيث فضّل التجّار الأوروبيون البحث عن سبل أخرى للوصول إلى الصين، وخاصة عبر البحار.

و«طرق الحرير» تعبير يدل على شبكة قديمة من الطرق التجارية التي ربطت على مدى فترة زمنية طويلة تقاس بالقرون بين قارّتي آسيا وأوروبا، أو الشرق والغرب، على وجه خاص وجزئياً مع إفريقيا. وأخذت صفة «طريق الحرير» من حيث أن السلعة الرئيسية باهظة الثمن وذات القيمة الاجتماعية العالية التي كان يتم عبرها نقلها هي «الحرير الطبيعي».

ما يؤكّده المؤلف في هذا الكتاب هو أن طرق الحرير لعبت دوراً جوهرياً ترك آثاره الأبعد والأعمق في البلدان المجاورة لها.

ذلك أن تلك الطرق لم تكن مجرّد ممرات لعبور السلع والمنتجات، ولكن أيضاً كانت وسيلة لنشر ثقافات البلدان التي تتم عمليات التبادل التجاري بينها. والسمة التي يتمّ التأكيد عليها في تحليلات هذا الكتاب هي أن تلك المجتمعات عرفت حالة من الازدهار على جانبي «طرق الحرير».

ولا يتردد المؤلف في القول إن العلاقات التجارية البريّة عبر «طرق الحرير» بين الشرق والغرب تكتسب أهميتها التاريخية الكبرى من زاوية قياسها بما نقله أولئك الذين كانوا يرافقون القوافل من أفكار ومعتقدات دخلت من خلالهم إلى منطقة آسيا الوسطى لتغدو أحد مكوّناتها الأساسية وجزءاً راسخاً من مكوّنات مجتمعاتها وتاريخها حتى الحقبة الحاضرة.

من الأدلّة التي يسوقها المؤلف على ذلك وجود العديد من الأديرة البوذية التي كان لها قديماً دور ثقافي كبير في تلك المنطقة من العالم، وحتى نهاية القرن التاسع الميلادي، حيث تمّ منعها من القيام بأي نشاط.

ومن حيث ما حملته طرق الحرير من مكوّنات ثقافية جديدة إلى مناطق مرورها، وعلى رأسها آسيا الوسطى، يصفها مؤلف الكتاب بأنها ساهمت في صياغة ثقافة «ذات بعد عالمي» ربطت بين شعوب عدة وأحدثت تفاعلاً حقيقياً بين ثقافات وحضارات العالم المتقدّم آنذاك وبين سكان منطقة آسيا الوسطى «المعزولين» عندها إلى حد كبير عن الخارج.