باريس هي مدينة النور، كما يطلقون عليها في شتى أنحاء العالم.. ولا شك أنها ملتقى الفنانين والكتّاب والمبدعين في شتى المشارب الذين يؤمونها من مختلف أنحاء العالم. وهذا الموقع الاستثنائي في العالم هو إلى حد كبير إرث ما يسمّى «الحقبة الجميلة» التي يُقصد فيها السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى وبالتحديد أكثر عامي 1913 و1914.

تلك «الحقبة الجميلة» هي موضوع كتاب ميشيل وينوك، أحد أكبر المؤرّخين الفرنسيين الأحياء، والذي كان قد قدّم عشرات الكتب عن تاريخ الجمهورية في فرنسا، كما عن الحركات الفكرية والسياسية التي عرفتها في تاريخها الحديث.

و«الحقبة الجميلة» هي فترة عرفتها أوروبا عامّة وفرنسا وبلجيكا خاصّة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حتى ما قبل نشوب الحرب العامية الأولى عام 1914. بتعبير آخر هي التي تغطي عملياً سنوات ما بعد نهاية فترة الكساد وحتى الحرب الكبرى، وكانت فترة زاخرة بكل ما أعطاها توصيف «الحقبة الجميلة» بالفعل.

وبالإجمال يشرح المؤلف ـ المؤرّخ، أن تلك الحقبة تميّزت بأنها كانت فترة سلام استمرّت قرابة أربعة عقود، وتقدم اقتصادي وتقني، وعرفت الكثير من الاختراعات. كما كانت فترة ثريّة على الصعيد الثقافي والإبداع الفكري والأدبي.. وعرف تعبير «المثقّف» انتشاراً كبيراً بينما كان قليل الاستخدام جداً قبل ذلك.

وتميّزت الثقافة الفرنسية، حيث تطوّرت عدة حركات طليعية في مجالي الأدب والفن والموسيقى، حسب شرح المؤلف، بقدر كبير من التجديد والإشعاع المتفرّد على المستوى العالمي. هنا تتكرر أسماء مارسيل بروست الذي بدأ عمله الشهير «بحثاً عن الزمن الضائع» بالصدور عام 2013، وكلود مونيه وبول سيزان وغيرهم.

وبتحديد أكثر يؤرّخ المؤلف في هذا الكتاب للحياة الثقافية في فرنسا عشية انخراطها في الحرب الكبرى، كما يطلقون على الحرب العالمية الأولى، أي قبل «وقوع أوروبا في حضن الكارثة»، حسب تعبيره. وفي تلك الحقبة الجميلة كان الناس يعيشون «فرحاً حقيقياً ويحتفون بالحياة». ويشرح أن تلك الحرب «هزّت أركان الـــعالم في عمق أعماقها»، كما نقرأ.

ويقوم مؤلف هذا الكتاب بتقديم مجموعة من الأحداث الكبرى التي عرفها عاما 1913 و1914 قبل اندلاع الحرب، أي حتى شهر يوليو من تلك السنة، وبمعدّل حدث في كل شهر. واليوميات التي يتم نشرها كان المؤلف قد نشرها بأغلبيتها في مجلة «التاريخ ــ هيستوار»، ثم أعاد النظر فيها وجددها على ضوء المعطيات المستجدّة وأعاد كتابتها في منظور أنها سوف تشكّل جزءاً من كتاب.

إن الصور والمشاهد والشهادات والكتابات التي تعود لـ«الحقبة الجميلة» متنوعة المشارب والاهتمامات، بحيث أنها تقدّم إطاراً شاملاً لما كان يدور في تلك الفترة من أفكار وتيارات أدبية وفنيّة. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن هناك بعض اللحظات التي تدفع الشعوب لـ«الغوص» في تاريخها. وليس أقّل تلك اللحظات بالنسبة لأوروبا هي تلك التي دفعت القارّة في حرب شرسة مفرطة العنف والدموية وكانت بداية مأساة إنسانية حقيقية في عام 1914.

ويشرح المؤلف كيف أن كل عنصر من تلك العناصر، الأحداث، مثل موسيقى «تكريس الربيع» التي قدّمها الموسيقار الشهير إيغور سترافنسكي على خشبة مسرح الشانزيليزيه مساء يوم الخميس من عام 1913، ظلّ بمثابة مرجعية مستمرّة حتى اليوم، أي بعد قرن من الزمن ونحن اليوم في عام 2014. وهذا «أمر ليس سهلاً» بمعايير الذاكرة التاريخية.

إن التاريخ، كما يكرر المؤلف بأشكال مختلفة عبر عودته إلى «الحقبة الجميلة»، لا يحافظ على صروح الماضي المنقوشة عبر الحجر أو عليها أو المرسومة على الأرصفة وذات الدلالة على المسار التاريخي فحسب، لكنه يحفظ أيضاً أنماط السلوك والأفكار والمبادئ والقيم التي يتم بناء الحضارات عليها. كما أنه، كما يتم تقديمه، يسهم في جعل الحاضر القائم مفهوماً. وهذه بالتحديد إحدى المهمات الأساسية التي يحددها المؤلف في عودته لتلك الفترة التي سبقت نشوب الحرب الكبرى، الحرب العالمية الأولى.

وهذا الكتاب هو تأريخ للفكر وللذهنيات وللأدب والفن وللإبداع إجمالاً وبالمحصلّة لنهاية حقبة.