كانت مسألة الدفاع الأوروبي والسياسة الدفاعية للاتحاد الأوروبي أحد مواضيع النقاش الأكثر ترددا على الساحة الأوروبية خلال سنوات عديدة في الماضي القريب. لكن يبدو أن هذه المسألة تراجعت إلى حدّ كبير عن ساحة الاهتمام إلى درجة أنه غدا من النادر أن يتعرّض أحد لذكرها إلاّ عند الاستحقاقات الخاصّة بمسؤوليات السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية..

ولا شك أنه من المنطقي والمشروع طرح أسباب ذلك. الأسئلة كثيرة بهذا الشأن، وأحدها هو الذي تطرحه الباحثة الفرنسية «نيكول غنيزوتو» المختصّة بالمسائل الدفاعية، ومفاده: « هل ينبغي دفن الدفاع الأوروبي؟». وهذا السؤال هو بالتحديد عنوان كتابها حول مسألة الدفاع الأوروبي.

وبعد أن تشرح المؤلفة الأجواء الإيجابية و«بعض النجاحات» التي عرفتها بدايات العقد الأول من هذا القرن الحادي والعشرين، تشير إلى أن نشوب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في خريف عم 2008 كانت بمثابة «ضربة قويّة» لمشروع الدفاع الأوروبي على مختلف الأصعدة.

وما تؤكّد عليه مؤلفة الكتاب هو أن السياق الأوروبي نفسه تأثّر كثيرا في تلك الأزمة حيث برزت بعض الشروخ في جسد الاتحاد الأوروبي، وحتى على صعيد بنيته، مما أثار التساؤلات حول مستقبله.

 وتحدد أهم تلك الشروخ التي ترى بها إرثا تاريخيا متكدّسا عبر القرون في الفوارق بين «بلدان كبيرة وبلدان صغيرة» و« بلدان ذات نزعة تدخل في الصراعات الخارجية ودول تميل إلى السلام» و«دول ذات صناعات عسكرية ودول ليس لديها صناعات عسكرية» و«بلدان عريقة وبلدان جديدة» و«بلدان الشمال وبلدان الجنوب».

وتذكّر نيكول غنيزوتو أنه هناك اليوم 22 بلدا من الـ 28 بلدا المنضوية في إطار الاتحاد الأوروبي هي في عداد «أعضاء الحلف الأطلسي». وتشرح أن مثل هذا الواقع لا بدّ وأن تكون له نتائجه على مفهوم الدفاع الأوروبي الذي يغدو رسم الحدود بينه وبين الالتزامات الأطلسية المترتبة مصدرا للتشوّش. تتم الإشارة إلى مثال بولندة «العضو المخلص للحلف الأطلسي والمتحمّسة للدفاع الأوروبي».

والإشارة أنها ليست قليلة الأصوات التي تتساءل عمّا إذا كانت علاقة أوروبا مع الحلف الأطلسي : « تبعية أم تكامل ؟». وتساؤل آخر في نفس الإطار يتعلّق بالغاية من بناء الدفاع الأوروبي. فهل المقصود منه «تعزيز القوّة الأطلسية» أم بالأحرى «تأكيد الاستقلال الذاتي الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي؟».

وتردد المؤلفة أن مفهوم الدفاع الأوروبي زاخر واقعيا بالإبهادم وبالمفارقات وبالتناقضات. وبالتالي ترى أن ذلك كلّه له آثاره السلبية على المصداقية الإستراتيجية للاتحاد الأوروبي. هذا في وقت تتكاثر فيه الأزمات والصراعات على «تخوم القارّة ».

وهذا أمر خطير، برأي المؤلفة..وفي مثل هذا السياق تتحدّث المؤلفة عن «خيبة الأمل الاستراتيجية » في السنوات الأخيرة، وبالتحديد منذ عام 2010 .

وتصل إلى القول إن هناك «بوناً شاسعاً» بين ما يقال «في الخطاب» وما يجري «في الواقع» حول مسألة الدفاع الأوروبي.