اشتهرت الحضارة الغربية الحديثة على أنها وريثة حضارة روما القديمة وأبعد منها وريثة الجذر اليوناني وصولاً إلى النظام السياسي الذي قام في مدينة أثينا.

وانطلاقاً من هذا الانتماء المزدوج لبلدان جنوب القارّة الأوروبية غدا البحر الأبيض المتوسط هو «البوّابة الرئيسية» التي دخلت منها حضارات عديدة، موجة بعد موجة، عانقت الشاطئ الجنوبي للقارّة. بالتالي تعود إليه ــ البحر المتوسط ــ أفضل الصفات التي يمتلكها الأوروبيون وكان لها آثارها الراسخة في الحضارة الأوروبية. وهذا ما تتفق عليه واقعياً مختلف القراءات التاريخية الأوروبية.

لكن الكاتب والمؤرّخ البريطاني «مايكل باي» له رأي آخر. إنه يؤكّد أن لبحر الشمال المتمثّل في جزء جانبي من المحيط الأطلسي والذي يحدّ ويعانق القارّة الأوروبية من جهة الشمال ليصبح حدودها الشمالية..

ومن هنا جاءت تسميته أصلاً، فضلاً كبيراً على سكان هذه القارّة، وأنهم «مدينون له» بالشيء الكثير. وهو يكرّس كتابه الأخير لشرح هذه الفكرة تحت عنوان «طرف العالم» الذي يحاول أن يثبت فيه أن بحر الشمال هو الذي «جعل الأوروبيين ما هم عليه اليوم»، كما يدلّ العنوان الفرعي للكتاب.

يشير المؤلف في البداية أن هناك فجوة كبيرة في التاريخ الأوروبي بالطريقة التي تؤكّد عليها الرؤية التاريخية التقليدية الأوروبية. هذه الفجوة تتمثّل في كون أن روما القديمة بدأت مسيرة انحدارها منذ عام 400 ميلادية ولم يعرف عصر النهضة بداياته إلاّ بعد مرور 1000سنة م ذلك التاريخ وبعد ذلك بقرنين عرفت القارّة الأوروبية ما يُعرف بعصر التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر. فما الذي جرى خلال تلك الفترة الطويلة من « السبات العميق؟»، يسأل المؤلف.

ويحاول مؤلف هذا الكتاب أن يبيّن كيف أن تلك الأماكن التي كانت «خارج السيطرة الرومانية» وذات العلاقات الممتدة حتى أعماق القارّة الأوروبية قد ساهمت بقدر كبير في خلق الظروف المناسبة لولوج السبيل الذي أدّى إلى ظهور تباشير الحداثة. من هنا تأتي، بنظره، أهمية تقديم «تاريخ إنساني» لبحر الشمال على غرار ــ ومقابل ــ الكمّ الكبير من الأدبيات التي كرّسها أصحابها للدور «الحضاري» الذي لعبه البحر الأبيض المتوسّط في التاريخ الأوروبي بمجمله.

ويتحدث المؤلف في الإطار عن دور الشعوب التي جاورت بحر الشمال في ظهور المهن والتطور العمراني وبروز المدن وأنماط العيش ومفاهيم المؤسسات والقانون وغير ذلك من المكوّنات التي وجدت آثارها في الحضارة الأوروبية.

ويصل من ذلك كلّه إلى القول إن الشعوب المعنية «لم تكن على هوامش التاريخ» بسبب «قسوة المناخ» و«فقر الأرض»، حسب المقولات الشائعة، بل أنها ساهمت في «المسائل الأساسية،الجوهرية» المتعلّقة بـ« تغيير نمط التفكير وفي الذهنية السائدة» باتجاه بناء العالم الأوروبي الجديد. هذا الكتاب يتفرّد في كونه تأريخاً لشعوب بحر الشمال من حيث اعتبارها مكوّناً أساسياً في انبثاق ما يسمّى الحضارة الأوروبية الحديثة.

والتأكيد بهذا الخصوص على مجموعة من المفاهيم على رأسها فكرة أن البشر يمكنهم أن يصوغوا عالمهم تبعا لما يحتاجون إليه، والتأكيد أن من حق النساء القيام بخيارات هامّة بشأن حياتهن، والتأكيد على أهمية القانون في تنظيم العلاقات مع السلطة وفيما بينهم. بالإجمال يبحث المؤلف عن تأكيد «الجذر الشمالي» للحضارة الأوروبية الحديثة، وأن «الحداثة» قد «نبتت» على شواطئ بحر الشمال، وعن عدم قصر هذه الحضارة على إرثها الروماني والمتوسطي.