عرفت اليونان في السنوات الأخيرة أزمة اقتصادية كبيرة كادت أن تؤدي بالبلاد إلى الإفلاس الكامل. ولم تكن اليونان بعيدة عن الخروج «قسرا» من الاتحاد الأوروبي. كما ترافقت تلك الأزمة بأزمة عامّة غيّرت إلى حد كبير من المشهد الاجتماعي والسياسي اليوناني. وكان من أبرز المستجدات على الساحة السياسية الصعود القوي لليمين المتطرّف ممثّلاً بحزب «الفجر المذهّب» الذي رفع بوضوح لا لبس فيه شعارات ذات طابع «نازي».

و«الفجر المذهّب» هو بالتحديد عنوان الكتاب الذي يقدّمه الصحافي اليوناني ديمتري بساراس والذي يكرّسه لدراسة أصول هذه الحركة اليمينية المتطرّفة التي تبنّت سياسة العنف، خاصّة حيال الأجانب وصولاً في بعض الحالات إلى ممارسة «القتل». وعلى خلفية ممارسات العنف الأعمى اختار المؤلف أن يعطي لعمله عنواناً له دلالته الواضحة على الرؤية النقدية للتحليلات التي يتضمّنها، حيث يصفه بـ «الكتاب الأسود للحزب النازي اليوناني».

من التوصيفات التي تتكرر في هذا الكتاب أن حزب «الفجر المذهّب» يتخذ من أدولف هتلر «مثالا أعلى» له ويجعل من العنف المفرط في الشارع « طريقة لنشر العنف في جميع أنحاء البلاد». وغدت اليونان هي أوّل بلد أوروبي يستقبل في برلمانه «منظّمة نازية بوضوح » هي حزب «الفجر المذهّب» الذي حصل غي الانتخابات التشريعية الأخيرة على نسبة 7 بالمئة من أصوات الناخبين.

ومن النقاط الأساسية التي يتم التأكيد عليها في هذا العمل أنه لا يمكن تفسير البروز الجديد لليمين المتطرّف اليوناني والنجاح الانتخابي الذي حققه بمجرّد الاكتفاء بالقول أن وراءه الأزمة الاقتصادية والبطالة المتفشية في المجتمع ، رغم الدور الكبير والحاسم لهما في بروز هذه الظاهرة.

لكن المؤلف يؤكّد أيضاً على أنه ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار« البعد الإيديولوجي العنصري والقومي المتزمت ونزعة نبذ الأجانب ومناهضة الديمقراطية». إن المؤلف ومن خلال عملية تحقيق معمّق للحالة اليونانية في نسختها «اليمينية المتطرّفة» يقدّم عملية جرد لكل ما يتعلّق بـ «حزب الفجر المذهّب» من منابعه «الإيديولوجية وحتى نمط سلوكيته.

وما يؤكّده المؤلف في الصفحات الأخيرة من الكتاب وما كان قد أشار إليه بأشكال مختلفة على مدى صفحاته كلّها هو أنه لا ينبغي انتظار أن تتلاشى ظاهرة اليمين المتطرّف بفعل ذاتي. وأن الطريق سيكون طويلاً وصعباً.

ويشير المؤلف «من بعيد» في تحليلاته أنه وراء «الإيديولوجية اليمينية المتطرّفة» قد توجد انحرافات لها علاقة بمنظمات المافيا وبأوساط الجريمة المنظّمة. ولكنه يؤكّد بالمقابل وجود علاقات لها مع أحزاب سياسية يمينية ومع أجهزة الشرطة والكنيسة ووسائل الإعلام ومع الأحزاب اليمينية المتطرّفة الشقيقة في البلدان الأوروبية.