غيّرت أميركا اللاتينية الكثير من ملامحها السياسية منذ عقد الثمانينات في القرن الماضي، العشرين. ذلك عبر الانتقال من أنظمة كانت بأغلبيتها ذات طابع استبدادي في ظل حكومات عسكرية حكمت بلدانها بالحديد والنار، إلى أنظمة يتم توصيفها بالديمقراطية من قبل جميع المحللين السياسيين في العالم.
مثل هذا الانتقال ترتب عليه تغيّر عميق في البنى الاجتماعية أيضاً بحيث يطلقون على تلك المنطقة من العالم توصيف «أميركا اللاتينية الجديدة» والتي نالت الكثير من اهتمام الباحثين بعد أن كان يقال عنها إنها «الأهل الفقراء للدراسات الدولية». و«أميركا اللاتينية الجديدة» هو بالتحديد عنوان كتاب «جورج كوفينيال»، المدير السابق لمعهد الدراسات العليا حول أميركا اللاتينية والأستاذ في جامعة السوربون الثالثة، المعروفة بالسوربون الجديدة.
إن المؤلف يدرس أسباب التحوّلات التي عرفتها شبه القارّة والآليات التي حصل فيها ذلك التبدّل. وكذلك تأثير تلك التحوّلات على صعيد البلدان المعنية منفردة، كما على الصعيد الإقليمي.
ويصف تلك التحولات أنها تعمّقت خلال العقدين الأخيرين إلى درجة أنه من المحتمل قليلاً العودة عنها. السمة الرئيسية التي يؤكّد عليها أن هذه المنطقة من العالم تتسم بقدر كبير من التعقيد نظراً لمسارها التاريخي المضطرب، بسبب الإرث الاستعماري الطويل الذي تمثّله القوتان الاستعماريتان السابقتان أسبانيا والبرتغال من جهة، وجوارها للقوّة الأميركية الكبرى، وما تطرحه من تحديات على صعيد الاقتصاد والسياسة والأمن، والتي تجسّدها الولايات المتحدة منذ قيامها.
من هنا بالتحديد، يناقش المؤلف سعي بلدان «أميركا اللاتينية الجديدة» من أجل تأكيد «قوّتها» والتأكيد أنه لها كلمتها على المسرح الدولي. والمثال الأبرز البرازيل.
ويشرح أن هذا «العملاق» البرازيلي يأمل من موقع الدولة الصاعدة الحصول على الاعتراف فيه كـ «قوّة فاعلة» على المسرح الدولي. بالمقابل تحاول الدول الأخرى التي كانت خاضعة للاستعمار الأسباني، أن تجد مكاناً لها على الصعيد الإقليمي على الأقل.
وفي سياق البحث عن «القوّة»، يشرح المؤلف أن أميركا اللاتينية تعيش نوعاً من المفارقة. ذلك أنها تبحث من جهة عن «وحدتها»، بصيغة ما، وتؤكّد بالوقت نفسه على تنوّع البلدان التي تضمّها. وهذه الدول تحاول بدورها، منفردة، إلى المساهمة في صنع القرارات التي تهمّ العالم الذي نعيش فيه. هنا أيضاً البرازيل هي المعنيّة الأولى بمثل هذا المسعى. والإشارة في هذا السياق أن أميركا اللاتينية الجديدة تلقى الكثير من الاهتمام من قبل أوروبا وكذلك من قبل آسيا.
وسمة أخرى يؤكّد عليها جورج كوفينيال بأشكال مختلفة في تحليلات هذا الكتاب، وتتمثل في وجود حالة من «الاضطراب» في اختيار النمط السياسي والاجتماعي الذي يراد تبنيّه، حيث إن كلاً من البلدان المعنية «يأخذ السبل التي يرى أنها المناسبة له»، كما يكتب.
لكن مع التأكيد بالوقت نفسه أنه رغم «الاختلافات» بين بلدان أميركا اللاتينية فإنهم يجدون نوعاً من الانتماء «في المحصّلة» إلى «هوية مشتركة» وإلى «سلّم من القيم صاغته الثقافة». وعلى أساس دراسة الواقع القائم اليوم في تلك المنطقة من العالم يرى المؤلف أنه لا يمكن الحديث عن «أميركا اللاتينية» بصيغة المفرد. لكن مع التأكيد بالوقت نفسه على وجود نوع من الثقافة المشتركة.
ويشرح المؤلف أن شعوب أميركا اللاتينية تسعى، بعد المنعطف الذي عرفته في نموذجها السياسي، إلى بناء «مجتمعات جديدة». وفي سبيل تحقيق مثل ذلك المسعى وتجسيده في الواقع تحاول البحث عن تبنّي «تجارب جديدة» و«سياسات عامة تقوم على أساس ضرورة التجديد». ويرسم مؤلف الكتاب لـ «أميركا اللاتينية الجديدة» صورة منطقة تتأرجح بلدانها بين كمّ كبير من الخيارات، مما يجعلها في حالة «حركة مستمرّة».
إنها من حيث تعدد التيارات والتوجهات التي تتنازعها وتتنازع فيها من الديمقراطية «التشاركية» على الطريقة الغربية إلى النزعات «الشعبوية» على صورة فنزويلا ــ تشافيز؛ ومن حيث البحث عن «توحيد الصوت في إطار التعدد»، تشكّل «مختبراً» يمكن لأوروبا أن تستفيد منه من أجل تجديد قدراتها ومسيرتها نحو «التوحيد في إطار التعدد»، وهذا هو أحد الدروس الأساسية التي يخرج بها المؤلف من كتابه.
La nouvelle Amérique latine
Georges Couffignal
Science PO – Paris – 2013
207 pp.

