عرفت ألمانيا تاريخا مضطربا، حيث انطلقت منها حربان كونيتان في القرن العشرين وحده وكانت لقرون عديدة في عهدها الإمبراطوري أحد مراكز القرار في العالم. وإذا كان الكثير من الكتّاب والمحللين قد جعلوا من التاريخ الألماني المضطرب موضوعا لأعمالهم، فإن نيل ماكغريغور

مدير المتحف البريطاني يحاول في كتابه الذي يحمل عنوان «ألمانيا: ذكريات أمّة» أن يكتب تاريخ ألمانيا من خلال مقتنيات المتحف الذي يديره من الأعمال والتحف الفنيّة الألمانية.

ما يلفت الانتباه هو أن مؤلف الكتاب يقدّم محتوياته وكأنه دليل داخل المتحف. هكذا ينتقل القارئ ــ المشاهد بين المعروضات المرصوفة بعضها بجانب بعض دون وجود أيةّ رابطة مباشرة باستثناء أنها تخصّ جميعها التاريخ الألماني كما تدلّ عليه «ذاكرته».

ذلك من اللوحات إلى المنحوتات العديدة وإلى مجموعة من «الديكورات» المنقولة من ألمانيا ومأخوذة من أماكن متنوّعة من الإدارات الحكومية أو محطات القطارات أو حتى من معسكرات النازيّة، ومن خلال ذلك يتمّ التعرّض لمسار تاريخي طويل. وتأكيد المؤلف أنه حتى أشياء الحياة اليومية «تمتلك في حاضنة الذاكرة شحنة انفعالية وماديّة كبيرة» وبالتالي لها دلالاتها التاريخية العميقة.

إن مؤلف هذا الكتاب يعود إلى خمسة قرون منصرمة من التاريخ الألماني بطريقة فيها الكثير من التفرّد، حيث يغيب التسلسل التاريخي الزمني تماما.

ويقدّم المؤلف الكثير من الأفكار الجديدة التي تساعد على فهم أفضل للماضي الذي رسم ملامح الأمة الألمانية في الحقب اللاحقة. ويشير الى أن كل شيء معروض في أي متحف في العالم يمكن قراءة دلالته على التاريخ المعني به بطرق متعددة.

ويحدد المؤلف نقطة الاختلاف الرئيسية بالنسبة لبريطانيا وفرنسا، باعتبارهما الأمّتين الكبيرتين من نفس وزن ألمانيا، هو أنه في الحالتين البريطانية والفرنسية كانت هناك «سلطة مركزية» قوية استمرّت لقرون عديدة بينما أنه في الحالة الألمانية هناك «تاريخ طويل من تميّز بواقع الانقسام والتجزئة بالنسبة للأمة الألمانية حتى إعادة توحيد تلك المكوّنات المجزأة في عام 1871.

ويضيف التحليل المقدّم أنه بسبب حالة الانقسام الألماني خلال حقبة طويلة ليس هناك »تاريخ وطني« ألماني بالمعنى التاريخي الدقيق للأمة الألمانية. ثم كانت حالة الانقسام الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ووجود »ألمانيتين« غربية وشرقية لتكرّس خلال عدّة عقود فكرة غياب »التاريخ الوطني الشامل والجامع«.

 لكن المؤلف يحاول مع ذلك أن يجد في الإرث الذي تركه المسار الألماني الطويل »خطّا ناظما« تبدو من خلاله ملامح »الأمّة الألمانية« ذات الاستمرارية التاريخية.

وهو يكتب تاريخا ثقافيا لألمانيا من خلال أشياء قديمة وصروح فنيّة وأفكار وأشخاص وأمكنة. إنه كتاب ــ متحف، مثلما هو عن الموجودات الألمانية في المتحف البريطاني بلندن، وبقلم مديره. ودراسة في »قراءة« التاريخ »الكبير« انطلاقا من الأشياء »الصغيرة«.