في عام 2013 صدر للصحافي والكاتب الفرنسي جان فرانسوا كان، كتاب تحت عنوان «اختراع الفرنسيين» الذي كرّسه لتاريخ فرنسا ما قبل الفرنجة وكيفية تشكّل ما أصبحت فيما بعد الأمّة الفرنسية. وفي شهر أكتوبر من هذا العام 2014 يصدر الجزء الثاني في الموضوع نفسه، تحت عنوان «مأساة الغرب».
يعود جان فرانسوا كان في حديثه عن اختراع الفرنسيين إلى ثلاثة أحداث كبرى عرفتها الحقبة المدروسة الممتدّة بين عام 100 حتى عام 430 في العصر الميلادي. تتمثل تلك الأحداث في «ولادة بلاد الغاليين» و«سقوط روما» و«انتقال المسيحية إلى أوروبا».
ويمزج المؤلف في واقع الأمر بين هذه الأحداث الثلاثة الكبرى على اعتبار أنها أسهمت كلّها في «كتابة التاريخ اللاحق» لفرنسا على قاعدة أن «الغد تتمّ كتابته البارحة»، حسب تعبير للكاتب الألماني الشهير «غونتر غراس».
ويحدد المؤلف القول أن فترتين أساسيتين كان لهما أثر كبير في تاريخ فرنسا طيلة وجودها. الفترة الأخيرة استمرّت على مدى قرن كامل ما بين عام 1789 عندما قامت الثورة الفرنسية الكبرى والتي تعززت فيها أركان المبادئ الأساسية التي تقوم عليها فرنسا الحديثة الجمهورية وما شهدته من إلغاء العبودية والتقدم الاجتماعي والنظام اللبرالي، وغير ذلك من المبادئ الناظمة لآلية عمل فرنسا الحديثة.
أمّا الحقبة الأساسية والمؤسِسة الأولى فهي تلك التي تمتد ما بداية القرن الثاني الميلادي حتى ثلاثينات القرن الخامس، أي ما يتناظر مع «انتصار» المسيحية في أوروبا. وهي بالتحديد الفترة التي يدرسها مؤلف هذا الكتاب. ويعتبر أن تطوراً إيديولوجياً، بل «ثورة إيديولوجية» حسب التعبير المستخدم، قد شهدها الغرب بصورة عامّة/ وما سيصبح فرنسا الحالية فيما بعد، خاصّة خلال تلك الفترة من التاريخ.
وبالتوازي مع التطوّر الإيديولوجي الكبير، عرفت المجتمعات المعنية «تبدّلاً اجتماعياً وحضارياً» لم تكن قد عرفت مثيلاً له في التاريخ الكوني الشامل السابق، وليس التاريخ الأوروبي وحده. المعالم الرئيسة لذلك التبدّل يحددها جان فرانسوا كان بـ«الانتقال من الوثنية إلى المسيحية ومن التعددية في المعتقد إلى التوحيد».
كما يشرح «جان فرانسوا كان» أن مسار التقدّم لا يعني إنهاء «الأطر القديمة» ولكنه يعني بالأحرى حسب التحليلات المقدّمة «تبدّلا في البنى القديمة تبعا لمستلزمات وضع جديد».
خلف ذلك المشهد الدامي الذي يرسمه المؤلف كانت «بلاد الغاليين تستيقظ» بما يشبه نوعا من « اكتشاف الذات» حيث إنها أكّدت وجودها في ذلك «الزمن الصعب» ككيان «مستقل ذاتياً»، وفي بعض الأحيان «مستقل». والمؤلف يؤكّد أنه لا يمكن القول إن ما كان يجري في بلاد الغال هو التعبير عن نوع من «حالة ما قبل تشكّل الأمم» على شاكلة الحالة البريطانية أو الإسبانية أو الجرمانية أو البلقانية. في مثل ذلك السياق تأسست إمبراطورية الغاليين ــ بلاد الغولوا ــ في صيف عام 260 من قبل « بوستوم، أول ملك من ملوك فرنسا».
