غيّرت الثورة الرقمية الكثير من المعطيات في مختلف ميادين العلم والتكنولوجيات. وبالتالي برز في الأفق، منظور جديد لحروب المستقبل في ظل التكنولوجيات الرقمية التي يبدو أنها ستعطي دورا جديدا ومتعاظما للإنسان الآلي «الروبوت» في هذا القرن الحادي والعشرين.

«الحرب والاستراتيجيا في القرن الحادي والعشرين» هو موضوع الباحث والأستاذ في الكلية العسكرية الفرنسية، ومؤلّف العديد من الكتب في المجال الإستراتيجي «كريستيان ماليس». وهو يبحث فيه بشكل خاص، التبدّل الكبير على صعيد التكنولوجيات والمفاهيم المتعلّقة بالحرب والاستراتيجيات في هذا القرن.

ولا يتردد المؤلف في القول ان الأسلحة الجديدة التي تستخدم ثمرات التكنولوجيا الرقمية بدلّت بشكل جذري الكثير من المعطيات. هكذا مثلا لن يكون الانتصار في ساحة المعركة مرهونا بشجاعة المحاربين وجسارتهم في اقتحام مراكز العدو ومواقعه، ولكن بالأحرى بالتجهيزات وبالدعم الأكبر الذي يوفره العتاد التكنولوجي المتوفر لأولئك المحاربين.

والإشارة إلى أن مثل هذا التبدّل يجري بالوقت نفسه، الذي يتبدّل فيه «مشهد موازين القوى» في العالم، حيث تبرز عدّة قوى صاعدة ليس أقلّها شأنا العملاقين الآسيويين الصيني والهندي. ويميّز المؤلف في حروب المستقبل بين نمطين، يسمي أحدهما «حرب حسب القواعد»، والآخر «حرب بدون قواعد».

النمط الأول «حرب بقواعد» يجد مثاله الأوّلي في الحرب التي عرفتها ليبيا في عام 2011، حيث كان هناك اتفاق دولي أقرته منظمة الأمم المتحدة. والنمط الآخر «بدون قواعد» يرى المؤلف أن «سادة الحرب» سيكونون وراءه وبدوافع «الكسب في أغلب الأحيان». يذكر المؤلف «نمطا ثالثا» غير محدد المعالم يكون في «موقع وسط» بين النمطين الأولين.

ويطرح المؤلف في هذا السياق مجموعة من الأسئلة، يرى أنها مطروحة على القوى الكبرى في منظور المستقبل. أسئلة من نوع: ما هي الاستراتيجية التي ستنتهجها الولايات المتحدة الأميركية، والصين، والهند، وروسيا، وفرنسا؟ وما هي الدواعي التي قد يمكنها أن تكون سببا في نشوب الحرب على مدى المستقبل القريب، ولكن أيضا على المدى الطويل؟.

ما يخرج به المؤلف من ذلك هو أن التبدّل التكنولوجي ـ الإستراتيجي الذي سيشهده العالم «سيعمّق هوّة جديدة بين أولئك الذين يمتلكون تلك التكنولوجيات الجديدة، وأولئك الذين لا يمتلكونها».

والإشارة أن «الروبوت» سيلعب دورا مهما ومركزيا في مجال الردع. بل يؤكّد المؤلف أنه بدأ يأخذ دوره في الحروب، كما تدل الحرب الأميركية الأخيرة في العراق التي شارك فيها 10000 «روبوت». الأمر الذي يعتبره بمثابة الصورة الأولى عن «الحرب الذكيّة»، التي ستفرض نفسها مستقبلا في ساحات المعارك. هذا دون نسيان الدور المتعاظم للطائرات بدون طيّار.

الموضوع الأساسي في هذا الكتاب هو الحرب وإستراتيجياتها، كما يدل عنوانه. وهذا ما يدرسه المؤلف على مدى فصوله من حيث الأشكال التي ستأخذها حروب المستقبل والأهداف التي ستسعى من أجل تحقيقها والأطراف التي يمكن أن تشارك فيها.

هنا يفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى أن كل ما قيل عن أن السلام سيعم العالم بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وكتلته لم يكن صحيحا، وأن العالم لم يدخل في حالة من السلام والوئام. والحروب التي تعرفها مناطق عديدة، يذكر المؤلف الشرق الأوسط في مقدمتها، تشهد على ذلك.

ما يتم تأكيده في النهاية هو أن الحروب لا تزال واقعا ملموسا وأنه خلال ربع القرن الأخير الذي يفصلنا عن سقوط جدار برلين ساهم 600000 جندي فرنسي في عمليات خارج الحدود، أي «ما يعادل الجيش الكبير الذي حارب فيه نابليون»، وقام على رأسه بحملاته الشهيرة التي كانت حملته على مصر في نهاية القرن الثامن عشر واحدة منها.