هناك في عالم المال والبورصات نوع من العمليات التجارية التي يطلقون عليها تسمية «التجارة بسرعة خاطفة». وهذه التجارة تكمن في استخدام «حواسيب في غاية السرعة» بحيث أنها تستطيع الكشف عن الحركات المتناهية في السرعة في الأسواق المالية واستغلالها خلال زمن يقاس بأجزاء من الثانية.

هذه العمليات التجارية «ذات السرعة الفائقة»، وفيما هو أبعد منها آلية عمل الأسواق المالية، هي موضوع كتاب الصحافي الأميركي «مايكل لويس» الذي غدت بعض أعماله السابقة من المراجع «الكلاسيكية» في توصيف آلية عمل الأسواق المالية، وهو الخبير المعترف به عالميا بخفايا وأسرار «بورصة وول ستريت» في نيويورك.

يقوم المؤلف بداية بشرح الكيفية التي تجري حسبها عمليات بيع وشراء الأسهم في البورصات المالية. ذلك على أساس مبدأ العرض والطلب، وحيث يقوم الراغب في الشراء بالضغط على «زرّ الشراء» عندما يجد أن هناك عرضا يناسبه في سوق الأسهم، كي يثبّت العملية مباشرة في نفس اللحظة. مثل تلك العمليات يتم قياسها زمنيا في العادة ببضعة ثوان على أقل تقدير.

تجدر الإشارة أن مؤلف هذا الكتاب يتعرّض لموضوع المال «الجدّي» إلى أقصى حدود الجديّة عبر تقصّي مسيرة بعض العاملين في هذا القطاع من الشباب. ذلك خاصّة من خلال المسيرة الحقيقة لـ «تاجر مضارب»، اسمه «برادلي كاتسوياما»، الذي قرر التمرّد ضد الطرق «المتقدّمة» التي اعتبرها «سامّة» بما يترتب عليها من نتائج في الأسواق المالية. هكذا ورغم أن هذا الكتاب يخصّ عالم المال «الجاف» فإنه شبيه أكثر بعمل روائي مما هو ينتمي إلى حقل الدراسات.

كان «برادلي» الذي اختزل المؤلف اسمه إلى «براد» يعمل موظّفا في قطاع المتاجرة بأسهم البورصة لدى البنك الملكي الكندي. ووجد نفسه في خضم المفاوضات التجارية في سوق بورصة وول ستريت. ما أدركه بسرعة أن مفهومه لوظيفته كان مختلفا تماما عمّا وجده في الواقع.

وعبر عمله اكتشف في النهاية عالم «التجارة ذات السرعة الخاطفة». كما اكتشف واقع أن سوق البورصة فيه الكثير من «الممارسات» غير المستقيمة التي تلجأ لها المؤسسات التي تعرف كيف تستخدم ميزة السرعة في منظومة عمل البورصات من أجل كسب مبالغ كبيرة من المال.

لقد وجد مؤلف هذا الكتاب في شخصية «براد» الدليل الذي يمكن أن يعرّف القارئ على خبايا وأسرار عالم مثل تلك «التجارة بسرعة خاطفة». الميزة الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف في تلك الشخصية أنه كان من بين النادرين الذين لا يزالون يمتلكون «حسّا أخلاقيا» في «عالم وول ستريت».

ويشير المؤلف أن ضمير «براد» لم يستطع البقاء «نائما» أمام الانتشار الكبير الذي عرفته تلك التجارة القائمة على السرعة المتناهية، والتي أصبحت تمثّل، حسب تقديرات المعني، نسبة 50 في المئة من مجموع عمليات بيع وشراء الأسهم في مختلف أسواق البورصة في العالم.

في المحصّلة وفيما هو أبعد من ظاهرة الثراء «السريع» عبر استثمار «عنصر السرعة المذهلة»، التي توفرها التكنولوجيات الرقمية و«التجارة ذات السرعة الخاطفة»، يبيّن المؤلف مخاطر ولوج « نفق العصر الرقمي الجديد» و«اقتصاد المستقبل».