يولي الكاتب والصحافي الأميركي اهتمامه الرئيسي للكتابة في مجال التداخل بين الاقتصاد والتكنولوجيا وعلم النفس. وكان قدّم عشرات الدراسات في هذا المشرب في كبريات الصحف والدوريات العالمية. وهو يثابر في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «مجتمع الاندفاع» على نفس النهج، حيث يعالج فيه العلاقة بين اقتصاد الاستهلاك السائد في عالم اليوم عامّة، وفي البلدان الغنيّة بشكل خاص، وبين الشخصية الحديثة، ممثّلة بالدرجة الأولى في الشخصية الأميركية..
ثم يطرح عددا من الأسئلة من نوع : هل يجعل المال البشر سعداء؟. وهل مواجهة الإنسان لبعض اللحظات الصعبة في مجال العيش ضرورية من أجل اكتساب سمات شخصية جيدة؟. وما هي آثار ثقافة الاستهلاك على قيم مثل الصبر والانضباط؟...الخ.
هذا الكتاب بجوهره هو محاولة للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها مما قد يتفرّع عنها. وهو يقدّم نوعا من اللمحة التاريخية عن الأفكار والمفاهيم التي شاعت في المجتمع الأميركي حول علاقة «الازدهار الاقتصادي» أو «الانحسار الاقتصادي» بـ«تنامي» أو «تراجع» نزعات «التمركّز حول الذات» و«تضخّم المشاعر النرجسية». ويتم وضع هذه المفاهيم تحت توجّهين أساسيين.
الاتجاه الأول مفاده هو أن أولئك الذين يبلغون شبابهم في مراحل اقتصادية صعبة يكونون أقل عرضة لتضخم نزعتهم الفردية من الذين يعرفون مراحل اقتصادية مزدهرة أو «صاعدة»، فهؤلاء قد تبرز لديهم نزعة التمركز حول الذات. وهذا ما يجد سنده، كما يشير المؤلف، في كون أن الباحثين أثبتوا منذ فترة طويلة أن هناك «علاقة وثيقة» بين الازدهار الاقتصادي وبين تنامي الشخصيّة الفرديّة.
والتوجّه الثاني هو التأكيد على أن مواجهة الأوضاع الاقتصادية الصعبة بروح المسؤولية يقلل جدا من «نزعة تضخيم الذات» والبحث بالمقابل عن مشاركة الآخرين المعنيين بمصير المجتمع الذي يعيشون فيه.
ويقوم المؤلف باستعراض عدد كبير من «الحكايات» و«القصص» التي عاشها بشر عرفهم أو سمع أو قرأ عنهم، والتي تبدو أنها متراصفة واحدة بجانب أخرى دون أيّة رابطة.
ولا يتردد «بول روبيرتس» في التأكيد أن «هاوية عميقة» قد تترتب على «مجتمع غريزة اللحظة». ذلك أن الأميركيين أصبحوا فيما يتميّزون فيه من «نرجسية» أفرادا أكثر مما هم «مواطنين». وهذا يمكن أن يعيق المجتمع ككل، وبالتالي البلاد، في التقدّم إلى الأمام.
إن أحد مكامن الخطر التي يشير لها المؤلف بأشكال مختلفة تتمثّل في تحليلاته بالقول ان قيم اقتصاد السوق القائم على المنافسة والكسب الكبير والسريع بأي ثمن قد تجاوزت في واقع الأمر القيم الحقيقية التي قام وتأسس عليها المجتمع الأميركي منذ بداياته.
وإذا كان المؤلف يكشف عن أشكال تجسّد قيم السوق في الشخصية الأميركية السائدة اليوم، فإنه يؤكّد بالوقت نفسه على القيم «التأسيسية» التي قام عليها المجتمع الأميركي في الأصل. وبالتالي يؤكّد على أهمية طرح السؤال التالي: إلى أين يسير المجتمع الأميركي؟.
وفي أبسط الحالات تمثّل الأفكار التي يعرضها المؤلف في هذا الكتاب قاعدة مهمّة للنقاش من قبل المعنيين، أي الأميركيين أنفسهم، حول ما هو عليه مجتمعهم اليوم والتحديات التي يواجهها وأفق المستقبل الذي يتجه صوبه.
