«كرة القدم البرازيلية، اختراع أسلوب». عنوان كتاب يبدو للوهلة الأولى أنه بحث في رياضة كرة القدم الشهيرة، وفي تقنياتها وما قدّمته البرازيل، أحد أشهر بلدان العالم بهذه الرياضة على صعيد اللعبة. لكن سرعان ما يتم إدراك أن هذا الكتاب ليس في الرياضة وليس موجّهاً للرياضيين الذين يمارسون اللعبة ولجمهور مشجعيها الذي يعدّ مئات الملايين في مختلف أنحاء العالم.
لا شك أن مؤلف هذا الكتاب «لوران لان» هو من عشّاق هذه الرياضة مثل الكثير من العاملين في حقول البحث الأكثر جديّة مثل الدراسات الإستراتيجية والسياسية. لكنه أيضاً، كاتب وباحث يحاول في هذا الكتاب الإجابة عن السؤال الجوهري التالي: لماذا تلقى كرة القدم هذا الكمّ الكبير من الاهتمام لدى البشر في عالم اليوم؟
ويحدد المؤلف مجال دراسته أكثر كي يولي اهتمامه الرئيس لكرة القدم البرازيلية، لكن ليس من منظور ما قدّمته من نجوم هذه اللعبة الشعبية للعالم، والذين ليس أقلّهم شهرة النجم «بيليه» الذي يطلقون عليه توصيف «الجوهرة السوداء»، لكن بالأحرى من منظور تأثير كرة القدم على الصعيدين الاجتماعي والسياسي في البرازيل. بهذا المعنى هذا كتاب في ميدان علم الاجتماع ــ السوسيولوجيا ــ وفي التحليل السياسي.
إن كرة القدم في البرازيل، أكثر منها مما في أي بلد آخر من العالم، هي «جزء لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية» للبلاد ، كما يشرح لوران لا«على مدى صفحات هذا الكتاب. بل ويذهب أبعد من ذلك والقول إن العديد من البرازيليين يجدون في كرة القدم نوعاً من البعد الروحي. بكل الحالات لا يتردد في إيجاد نوع من «التوازي» بين تطوّر كرة القدم البرازيلية وتطوّر المجتمع البرازيلي، بل وتطوّر البلاد نفسها.
ويبدأ المؤلف في تقصّيه لأثر كرة القدم في الحياة الاجتماعية البرازيلية منذ البداية. أي منذ الفترة التي أدخل فيها الأوروبيون وخاصّة البريطانيين الذين شاركوا في إنشاء شبكات الخطوط البرازيلية، وكذلك البرتغاليون الذين استعمروا البلاد لفترة طويلة.
ثمّ تطوّرت اللعبة وانتشرت في عموم البلاد عبر سلسلة من النوادي «المغلقة» في البداية حيث كان أعضاؤها عامّة من أصحاب الامتيازات الذين ينتمون إلى الشرائح العليا في المجتمع. لكن سرعان ما انتقلت بسرعة كبيرة «عدوى» الشغف باللعبة إلى مجموع السكان.
ويولي المؤلف اهتمامه أيضاً لدراسة مرحلة «التكوين الحقيقي» لمهد ما سوف يصبح فيما بعد كرة القدم البرازيلية ذات الشهرة العالمية. يتم تحديد العمود الفقري في فترة التكوين تلك بظهور «نوادي كرة القدم العمّالية» على نطاق واسع والتي أعطت للعبة بعدها الشعبي .
أحد مظاهر الحضور الاجتماعي الكبير لكرة القدم في المجتمع البرازيلي يجدها المؤلف في المكانة «الاستثنائية» التي اكتسبها اللاعبون الكبار الذين يذكر المؤلف أسماء عدد منهم لا يعرفهم البرازيليون وحدهم ولكن شهرتهم وصلت إلى شتى أصقاع الأرض.
بالمقابل كانت الهزائم التي مني فيها الفريق الوطني البرازيلي لكرة القدم بمثابة «كوارث وطنية». تلك كانت خاصّة الهزيمة التي لحقت بالبرازيل من قبل الأورغواي ــ الخصم التاريخي بمجال كرة القدم ــ في المباراة النهائية لبطولة العالم عام 1950 التي جرت في البرازيل نفسها.
ذلك الإغراق في الحزن والمبالغة «المفرطة» في الإحساس بالفجيعة على خلفية الخسارة في مباراة هي بالنهاية «لعبة رياضية» يترجمه المؤلف على أنه علامة على «هشاشة المجتمع البرازيلي»، بل يرى أنه ظهرت بعض تعابير ذلك من خلال اتهام بعض اللاعبين ذوي الأصول «السوداء» أنهم خلف الخسارة.
تتم الإشارة في هذا السياق إلى بعض المقالات النقدية ذات النكهة «العنصرية» التي نشرتها بعض الصحف. مثل تلك التي طالبت صراحة بـ «ضرورة تغيير التوجّه» و«جعل الفريق الوطني أكثر بياضاً»، أي ما يعني تخفيف عدد اللاعبين السود فيه.
من السمات التي يشير لها المؤلف في المجتمع البرازيلي أنه يعاني، إلى جانب الطموح الكبير «إحساساً بالعجز» عندما يكون عليه مواجهة بقيّة العالم. ورياضة كرة القدم هي أحد ميادين «المواجهة» التي تعبئ مشاعر البرازيليين وتعبئهم على أساس أنها «رهان جيوستراتيجي»، وليس مجرّد «مباراة رياضية».

