اللغات تعيش وتموت مثل البشر. وهي تتفاعل وتؤثّر بعضها في البعض الآخر، بحيث تأخذ كل منها بعض الكلمات والتعابير وتقوم بعملية «تدجينها» أو «امتصاصها» بحيث تدخل في قاموس اللغة الجديدة . لكن هناك في التاريخ الحديث ظاهرة جديدة هي أن بعض اللغات «تتغلغل» في اللغات الأخرى لتقوم بنوع من «الاستيطان» وأخذ مكانها بدلاً من تلك التي تدل على المعنى نفسه في اللغة الأخرى.

الشاعر والكاتب والناقد الأدبي «الان بورير»، يكرّس كتابه الأخير لما يسميه «تأمّلات حول اللغة»، كما يقول عنوانه الفرعي، ويحمل الكتاب عنوان «أي حب جرحها». اللغة الفرنسية هي «الحب الجريح» لدى هذا الكاتب الشاعر وأحد أشهر الأخصائيين الفرنسيين في سيرة حياة رامبو وفي أعماله، خاصة عمله الشهير الذي يحمل عنوان « إشراقات».

هذا الكتاب هو بالتحديد عن اللغة الفرنسية التي تتعرّض، حسب تحليلات المؤلف، لعملية «غزو لغوي» مصدره لغة العالم «الانجلو سكسوني».

والمؤلف يعلن بمرارة كبيرة ومن موقع «المحب، عاشق اللغة الفرنسية» التي يصوغ كلماتها شعراً، أن اللغة الفرنسية تبدي اليوم الخضوع التام تقريباً للنموذج اللغوي المسيطر، خاصّة بعد الحرب العالمية الثانية، أي النموذج «الانجلوسكسوني». ويرى أن مثل هذا الخضوع يعني في الواقع العملي «إفقار» اللغة الفرنسية.

وفي عودة إلى التاريخ، يشرح المؤلف كيف أن اللغة الفرنسية كانت على مدى قرون أحد أهم المصادر التي نهلت منها اللغة الإنجليزية ما يزيد على 30000 كلمة. كما أن الإنجليز يتحدثون لغة 63 في المئة من كلماتها ذات أصول فرنسية.

ويعتبر المؤلف أن طريقة البحث عن الهيمنة التي تمارسها اللغة الإنجليزية هي بمثابة «حدث جديد» في التاريخ اللغوي الحديث. ذلك أن اللغات تغدو «أكثر ثراءً» عندما تتفاعل فيما بينها وتعطي كل لغة لغيرها وتأخذ منها. المثال البليغ الذي يضربه المؤلف لمثل تلك الممارسة الإيجابية يكمن في قوله إن آلاف الكلمات الإيطالية في عصر النهضة الذي بدأ في إيطاليا في القرن السادس عشر دخلت إلى اللغة الفرنسية التي «دجّنت» ثم «امتصّت» تلك الكلمات التي دخلت بعد فترة قصيرة من الزمن في قواميس اللغة الفرنسية.

ويشرح المؤلف في تأملاته حول اللغة الفرنسية أن «الغزو» اللغوي الإنجليزي على اللغة الفرنسية طال جميع ميادين الحية العامة ونشاطاتها. هذا من ميدان «الأزياء ــ الموضة» الذي يحمل منذ البداية البصمات الفرنسية، حيث أصبح يتم الحديث حصراً عن عروض الـ «فاشن» وحتى مجال الطبخ والمطبخ وما يعرفه من الـ «فاست فوود». مروراً بميادين الدبلوماسية والدفاع والإدارة والأغاني والطب والرياضة وغير ذلك من المجالات.

وبعد الإشارة إلى أن مجموعة «بورباكي» التي أنشأت مدرسة الرياضيات الفرنسية الأكثر شهرة في العالم تحوّلت منذ فترة غير بعيدة إلى التدريس باللغة الإنجليزية، يعتبر المؤلف أن الاستثناء الفرنسي الوحيد الذي «نجا» من تبنّي اللغة الإنجليزية كأداة لا بد منها هو «التربية الوطنية». لكن تلك المقاومة لن تستمر طويلاً، فالمفوضية الأوروبية قررت فرض اللغة الإنجليزية على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وفي المحصّلة، يصف المؤلف الانتقال من اللغة الفرنسية «العقلانية والجمالية والشاعرية والأنيقة» إلى اللغة الإنجليزية ، وبتحديد أكثر إحلال كلمات إنجليزية مكان كلمات فرنسية موجودة وتفي بالمعنى المطلوب أنه نوع من «الاغتراب عن الذات»، كما أنه تغيير في «الأذن التي تسمع»، وليس في النطق وحده.