عرف فن السينما ازدهاراً كبيراً بعد الحرب العالمية الثانية على الصعيد العالمي، ومثلما كان الأمر بالنسبة لمختلف الفنون التي عرفت كلّها «موجات جديدة» في العمل الإبداعي عرفت الصناعة السينمائية هي أيضاً موجاتها الجديدة.
هذه الموجات الجديدة في السينما هي موضوع كتاب «جيمس تويدي»، أستاذ الأدب المقارن وفن السينما في جامعة واشنطن والمختص بتاريخ السينما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الذي يحمل عنوان :«عصر الموجات الجديدة»، ويدرس المؤلف فيه تطور الفن السينمائي منذ خمسينات القرن الماضي حتى عصر العولمة.
يشرح المؤلف أن تعبير «الموجة الجديدة» في عالم السينما تمّ استخدامه بداية في نهاية سنوات الخمسينات من القرن العشرين للدلالة على حركة في السينما الفرنسية مثّلها جيل من المخرجين الشباب الذين كانوا قد أخرجوا أفلامهم الأولى في تلك الحقبة الزمنية. وليس أقلّهم شأناً أسماء لمعت على الصعيد العالمي بعد ذلك من أمثال فرانسوا تروفو وجان لوك غودار وكلود شابرول وغيرهم.
ارتبطت صفة «الموجة الجديدة» بارتباطها بجيل الشباب من المخرجين الشباب وفيما بدا نوعا من صراع الأجيال. وعرفت الأفلام الأولى لمخرجي «الموجة الجديدة» طريقها إلى مهرجان كان السينمائي الشهير في نهاية عقد الخمسينات.
ومما يشرحه المؤلف أن تلك الموجة الجديدة في السينما الفرنسية لم «تأت» كثمرة لعملية تكدّس طويلة على الصعيد السينمائي.
وبربط المؤلف أيضا ظهور «الموجات الجديدة» في الصين وتايوان بالنهوض الاقتصادي «المعجزات الاقتصادية» الذي عرفته القارّة الآسيوية اعتبارا من سنوات الثمانينات في القرن الماضي، وذلك مع وصول «الجيل الخامس من السينمائيين الصينيين»، كما يحدد المؤلف القول. ثم تعزز ظهورها في التسعينات مع تباشير العولمة وبروز سمة «العالمية» التي اتسمت فيها السينما.
ويحدد المؤلف القول إن الأفلام السينمائية الصينية التي قدّمها المخرجون خلال فترة ما قبل «الثورة الثقافية» كان قد تمّ «صنعها» كلّها بنفس الطريقة وكانت تذهب كلّها باتجاه تكريس صورة البطل، المنقذ. باختصار«كان كل شيء معروفاً مسبقاً». لكن الأمر تغيّر عندما بدأ المخرجون الصينيون يدركون أن أعمالهم ينقصها كثيراً البعد الروحي والفكري.
هكذا بدأت تُطرح في السينما الصينية في إطار ما عُرف بـ «الموجة الجديدة» للسينما الصينية، مسائل تتعلّق بالوجود الإنساني ومعناه ومغزاه والعلاقة مع الآخرين.
يشرح المؤلف أيضاً أن تطوّر السينما الصينية والتعريف بها على الصعيد العالمي ارتبط بشكل وثيق مع «الشروط السياسية» التي أحاطت بها.
في جميع الحالات بدت «الموجات الجديدة» في السينما بكل تعبيراتها الفرنسية والصينية والتايوانية بمثابة انعكاس لصورة مجتمعات تبحث عن التغيير والقطيعة إلى هذه الدرجة أو تلك مع التقاليد السينمائية التقليدية خاصّة، ومع التقاليد الاجتماعية السائدة عموماً وأبعد من ذلك كلّه القطيعة مع الماضي.
على خلفية تلك التوجهات كلّها قامت «الموجات الجديدة » في عالم السينما وغدت التسمية نفسها تعني مباشرة أن المقصود بها هو السينما تحديداً.
