منذ نشوب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في خريف عام 2008، انطلاقاً من الولايات المتحدة الأميركية لتأخذ بعداً عالمياً، ازدهرت في فرنسا كثيراً تلك المقولات والنظريات التي يتم تصنيفها عامّة تحت عنوان عريض هو «فكر التقهقر». هذا بمعنى أن فرنسا مآلها في الفترة المقبلة سيكون انحدارياً، بعد أن كانت قد سادت في البلاد في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين مقولة «فرنسا قاطرة أوروبا».

في مواجهة موجة «التشكيك» العارمة بمستقبل فرنسا ارتفعت في الفترة الأخيرة عدّة أصوات يرى أصحابها المستقبل بمنظور أكثر تفاؤلا. بل يرون أن فرنسا تسير نحو النهوض وأنها أنجزت في العقد الأخير «ثورة ثقافية حقيقية» بدت ملامحها في وجود نزعة جامحة لدى الفرنسيين للقيام بعملية «لإصلاح حقيقي وعميق»، وفي واقع أن نصف الفرنسيين تقريبا لا يقترعون اليوم في مختلف العمليات الانتخابية مما يمثّل «رغبة واضحة في التغيير».

ومن بين تلك الأصوات «المتفائلة» الباحث الاقتصادي والكاتب في العديد من الدوريات المختصّة «روبان ريفاتون»، الذي يقدّم كتابا تحت عنوان «فرنسا جاهزة»، أي جاهزة للنهوض واستئناف تقدّمها والتأكيد في هذا السياق «أن التغيير قد حصل» وأنها «جاهزة للانطلاق».

الفرنسيون «تغيّروا»، هذا ما يؤكّده مؤلف الكتاب، ويشرح ذلك بالقول أنهم غيّروا رؤيتهم للمال ولعالم المشاريع وخلق الثروة والتجديد وأصبحوا منفتحين أكثر فأكثر على العالم. من الإحصاءات التي يتم تقييمها أن هناك في فرنسا اليوم 17 بالمئة من الفرنسيين يميلون إلى تأسيس مشاريع، خاصّة صغيرة، مقابل نسبة 3 بالمئة فقط عام 2002.

المسؤول الأوّل والأكبر عن الأزمة لا يجده روبان ريفاتون في الفرنسيين وفي نقص الكفاءة لديهم، ولكن بالأحرى في الدولة التي يصفها أنها «عاجزة» عن إنهاض الاقتصاد والمجتمع. ويحدد مؤلف الكتاب القول انه ينبغي على الدولة أن «تخرج» من الاقتصاد. وأن تقدّم جميع التسهيلات التي يمكن أن تشجّع من يريدون تأسيس المشاريع.

كذلك يحدد المؤلف القول ان السياسات العامّة للنمو الاقتصادي والنهوض بالبلاد التي تتبنّاها الدولة في فرنسا، وفيما هو أبعد اللون الإيديولوجي للحكومات يمينا أو يسارا، إنما هي سياسات تقوم على «أفكار قديمة عفا عليها الزمن».

إن المؤلف، وعلى مدى صفحات هذا الكتاب، يؤكّد على القول انه ينبغي على كل بلد أن «يتبنّى سبيله الخاص في الإصلاح» وبالتالي على فرنسا «التوقف عن البحث عن نماذج خارجية لتطبيقها لديها، وخاصّة التطلّع إلى النموذج ــ الموديل ــ الألماني الأكثر بعداً عن فرنسا من النموذج البريطاني مثلاً». وفي المحصّلة إن أهم النتائج الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف بالنسبة لمستقبل فرنسا تتضمنها الجملة التالية: «علينا أن لا نخشى أن تصبح فرنسا متحفاً هائلاً أو مجمّعاً تجارياً أو حديقة ألعاب تجذب الآخرين».