من الأفكار السائدة و«المقبولة» عامّة التي يرددها أغلبية البشر القول إن الإنسانية عرفت في تاريخها الطويل العديد من الحروب التي كانت أحد أكبر الشرور بالنسبة للبشر. وكانت دائماً أحد الأسباب الأساسية لتخريب مصادر العيش ونشرت الفوضى الاقتصادية في البلدان التي كانت ساحات لها. كما خلّفت الحروب وراءها عشرات ملايين القتلى والمعاقين ودفعت أجيالاً كاملة أحياناً ثمنها كما تركت آثارها على أجيال لاحقة.
فـ«ماذا نكسب من الحرب؟». هذا هو السؤال الذي يطرحه ايان موريس، المؤرّخ البريطاني وأستاذ التاريخ في جامعة ستانفورد، ويختاره عنواناً لكتابه الأخير. ومن خلال الخوض في عدّة مشارب واتباع المنهج العلمي في البحث يبيّن كيف أن الحروب كانت، رغم تخريبها وآلامها، أحد العوامل الأساسية التي دفعت البشر نحو بناء «مجتمعات يسود فيها السلام». بهذا المعنى يذهب في «الاتجاه المعاكس» للأفكار السائدة.
ما يمكن التأكيد عليه في هذا السياق هو أن فكرة «الوجه الإيجابي للحروب» ليست فكرة جديدة، إذ إن العديد من المؤرّخين كانوا قد أشاروا لها. لكن قد تكون هذه هي المرّة الأولى التي يحاول فيها مؤرّخ وأستاذ أكاديمي طرحها بهذا القدر من الوضوح عبر استخدام العديد من مشارب البحث العلمي وعلى مدى عشرات آلاف السنوات.
ومن المحاور الرئيسية التي تشكل نوعا من الخط الناظم لتحليلات هذا الكتاب يشرح المؤلف أن النزاعات المسلّحة كانت على المدى الطويل احد العوامل التي دفعت نحو بروز ضرورة إيجاد قواعد ضبط سلوكيات الأفراد والمجتمعات، بتعبير آخر كانت وراء «ولادة الدول» بالمفهوم الحديث وبالتالي المساهمة في نشوء الحضارات الإنسانية.
ومما يتمّ تأكيده في هذا السياق أيضا القول إن الحروب التي أدّت إلى احتلال بلدان ومناطق أخرى شجّعت على قيام نوع من «البيروقراطيات» المطلوبة من أجل تأمين كل ما يتعلّق بتسيير أمور الأراضي التي جرت السيطرة عليها. هذا فضلا عن أن أفق نشوب الحروب دفع «المتحاربين» إلى تشكيل جيوش منظّمة تخضع لقواعد صارمة تتطلّب تعزيز القواعد المرتبطة بوجود سلطة مركزية تمثّلها الدولة بالتحديد.
بل يشرح ايان موريس أن الانتقال من المجتمعات البدائية، ما قبل التاريخية، في حقب الصيد وقطف الثمار ـ إلى المجتمعات بصيغها الجنينية ثم بالصيغ الحديثة المعروفة اليوم، كان وراء تشكّل المجموعات البشرية في أطر مختلفة تراوت من القبائل إلى المدن ــ الدول فالدول ـ الأمم فالإمبراطوريات. هذه الصيغ كلّها شكّلت، كما يشير المؤلف، خطوات «متقدّمة» في المسار الإنساني.
من الأفكار الأساسية التي يعتبرها ايان موريس بمثابة «أحد الاكتشافات الكبرى للعلوم الاجتماعية خلال العقود الأخيرة»، كما تشكّل أحد مرتكزات تحليله للمسار التاريخي للبشرية، «هو أن القرن العشرين الذي عرف حربين كونيتين وعشرات الحروب »الصغيرة« كان »الأقل قتلاً« في تاريخ البشرية.
كيف؟
هذا يبدو من خلال المقارنة مع العصور القديمة. هكذا إذا تمّت المقارنة مع العصر الحجري بالاعتماد على الاكتشافات الأثرية نجد أن »نسبة تتراوح بين 10 إلى 20 بالمئة من سكان تلك الحقبة ــ العصر الحجري ــ قضوا إثر أعمال عنف تعرّضوا لها بينما أنه في القرن العشرين ورغم وجود حربين عالميتين والمجازر التي ارتكبتها النازية والأسلحة النووية فإن نسبة القتلى بسبب الحروب لا تتجاوز ما بين 1 إلى 2 بالمئة من مجموع سكان العالم"، كما نقرأ.
