هناك «مشهد» عالمي جديد يرتسم شيئاً فشيئاً في الواقع اليوم. إنه مشهد «عالم من المعسكرات»، كما جاء في عنوان الكتاب الجماعي الصادر أخيراً في باريس. الهدف الذي وضعه المساهمون منذ الأسطر الأولى هو أنه «ينبغي التعريف على نطاق واسع بالمعسكرات».
ذلك على اعتبار أنها أصبحت تشكل أحد مكوّنات الواقع الكوني القائم اليوم. يشرف على الكتاب الباحث ومدير الدراسات في كلية الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس ميشيل أوجييه، وبمساهمة نحو ثلاثين باحثاً وأكاديمياً من مختلف المشارب والجنسيات الذين يقدّمون رؤيتهم «النظرية» لمختلف أشكال التجمّع التي تنضوي تحت عنوان «المعسكر» على الصعيد العالمي مثل المخيّمات ومناطق الانتظار للبتّ في الحالات ومعسكرات الحجز.
الفكرة الرئيسية التي يتعرّض لها المساهمون في الكتاب، والتي تدور حولها تحليلاتهم مفادها أن المعسكرات لم تعد «الاستثناء» في المشهد العالمي اليوم وليست مرتبطة، كما يقال ويتردد في اللغة السياسية والدبلوماسية، بمسائل ذات طابع «إنساني» أو «أمني» من أجل تبرير وجودها.
وفي مقدّمة المسائل الأساسية التي تتعرّض لها مساهمات الكتاب البالغ عددها 25 مساهمة، هناك تلك التي تتعلّق بالحياة اليومية للذين يعيشون ضمن المعسكرات والمشاكل التي يواجهونها.
تشمل الدراسات المقدّمة المعسكرات منذ أقدمها وحتى تلك التي ارتبطت بأحداث ووقائع ومجازر مثل صبرا وشاتيلا في بيروت بلبنان، وإلى أكبر المعسكرات القائمة اليوم المتمثّل في معسكر «داداب» الذي تمّ افتتاحه في كينيا عام 1992 والذي يتجمّع فيه أربعمئة وخمسون ألفاً من اللاجئين الصوماليين، ولكنه «لا يظهر أبداً على الخرائط الرسمية».
تتم الإشارة من قبل المساهمين بأشكال مختلفة إلى أن «الحكومات الوطنية والوكالات الدولية» تتبنّى أكثر فأكثر مثل ذلك الحل من أجل «تجميع» اللاجئين لأسباب إنسانية أو من أجل «نقلهم» أو «الحجز عليهم، إدارياً تبعاً للقاموس المستخدم» أو «عزلهم» عن المهاجرين الآخرين أو عن «السريين» الذين قدموا دون أية صيغة قانونية أو غيرهم من «غير المرغوب فيهم». وفي جميع الحالات هناك الملايين من الأشخاص من لاجئين ونازحين ومهاجرين «يتكدّسون في معسكرات مؤقّتة تغدو مستدامة».
يحاول المساهمون في الكتاب الكشف عن مدى حضور المعسكرات المعنيّة في العالم الذي نعيش فيه. ذلك على اعتبار أن «المعسكرات غدت حقيقة قائمة في حقبة ما بعد الحرب الباردة»، كما يكتب ميشيل أوجييه. إضافة إلى أن ظاهرة «الحجز» على آخرين «لم يقترفوا أي جرم» لا تعود للبارحة وأنها ليست جديدة في التاريخ الحديث.
تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن استخدام تعبير «معسكرات الاعتقال» يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، عندما قام الإنجليز باحتجاز أعداد كبيرة أغلبيتهم من الطاعنين في السن والأطفال والنساء، نحو ربع شعب البوير الذي تعود أصوله لفلاحين هولنديين كانوا من أوائل البيض الذين أقاموا في جنوب إفريقيا، في قرى من الخيم. ثم تمّ استخدام التعبير على نطاق واسع حيال معسكرات الاعتقال النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
ويتم في هذا الكتاب رسم نوع من خارطة توزيع المعسكرات في العالم اليوم. وشرح أن هذه الخارطة تعبّر إلى حد كبير عن واقع التوازنات الجيوسياسية السائدة في عالم اليوم. والإشارة هنا إلى أن حروب التحرر الوطني ونهاية الحقبة الاستعمارية كانت فترة تجميع الملايين من المدنيين في مخيمات اللجوء، وبالإشراف المباشر للمجموعة الدولية.
