عرفت أميركا اللاتينية في العقدين الأخيرين الكثير من التبدل الجوهري في طبيعة الأنظمة السائدة فيها. ذلك مع نهاية الأنظمة العسكرية التي هيمنت على مقادير البلاد والبشر خلال عدّة عقود سابقة ووصول أنظمة ذات طبيعة مدنية وذات توجّه يساري إلى هذه الدرجة أو تلك.
و«مارا لوفمان»، الأستاذة في جامعة وسكنسون والاختصاصية بعلم الاجتماع التاريخي والمقارن والتي سبق لها أن قدّمت سلسلة من الدراسات والمقالات في العديد من الصحف والدوريات الأميركية حول أميركا اللاتينية، تكرّس كتابها الأوّل لما تسميه «الألوان الوطنية» الذي تدرس فيه «التصنيف العرقي والدولة في أميركا اللاتينية» في سياق القرن الحادي والعشرين.
من الدلائل «الملموسة» التي تؤكّد عليها المؤلفة على التبدل الكبير، «الجذري» حسب تعبير المؤلفة، هناك سلوك دول العديد من بلدان أميركا اللاتينية فيما يتعلّق بتصنيف سكانها في العمليات الإحصائية. وبدا من الواضح أن الدول المعنية قد تبنّت مجموعة من الأسئلة كي يتم طرحها على السكان الذين يتم إحصاؤهم بحيث تجري الإشارة الصريحة بين المواطنين إلى أولئك الذين ينتمون إلى السكان الأصليين وأولئك الذين ينحدرون من أصول إفريقية أو غيرها.
وتتساءل المؤلفة في هذا السياق: هل هذا يفسّر الصعود الواضح لعمليات التصنيف الرسمي ذات الطابع الإثني ــ العرقي التي تقوم بها الدول في القرن الحادي والعشرين بمنطقة أميركا اللاتينية؟
ما يتم تأكيده في معرض الرد على مثل هذا التساؤل هو أن مثل هذا التصنيف الإثني ــ العرقي ليس جديدا على هذه المنطقة من العالم. ذلك ما تدلّ عليه العمليات الإحصائية على المستوى الوطني التي قام بها 19 بلدا على مدى قرنين من الزمن تقريبا في أميركا اللاتينية.
ومن خلال الدراسة التاريخية لتلك الاحصاءات تبيّن المؤلفة أن مسألة الانتماء الإثني ــ العرقي عرفت مساراً «بيانياً» متعرّجاً بين الصعود والهبوط. هكذا برزت المسألة بوضوح خلال القرن التاسع عشر ثم تراجعت «بوضوح» أيضاً في القرن التالي، العشرين كي تعود وتبرز من جديد في العقد الأول من القرن الحالي، الواحد والعشرين.
والإشارة أنه، مع ذلك، تبقى مسألة اللون، لون البشرة، أقل حدّة بكثير تاريخياً في أميركا اللاتينية مما هو في الولايات المتحدة الأميركية، كما تبيّن المؤلفة في معرض المقارنة بين أميركا اللاتينية والولايات المتحدة فيما يتعلق بالمجال الإثني ــ العرقي.
ولا تتردد في القول انه يمكن «للأفراد والأسر وحتى الطوائف المختلفة أن تنتقل عبر الحدود العرقية»، الأمر الذي تمّت ترجمته في أميركا اللاتينية بنوع من قبول جميع المكوّنات «مهما كان لون بشرة جلدها» في النسيج الوطني العام. مثل هذا الانتقال، وبدقّة أكثر «قبول الآخر» المتمثّل بذوي الأصول الإفريقية، السود، بقي لفترة طويلة بالولايات المتحدة مرهوناً بإرادة «ذوي الأصول الأوروبية».
تشرح المؤلفة في هذا السياق أن «البروز الكبير» الذي عرفه ذوو الأصول الأميركية ــ اللاتينية في المشهد الاجتماعي للولايات المتحدة الأميركية وإبراز حضورهم الديموغرافي المتزايد خلال السنوات الأخيرة «أثار خطاباً متفائلاً» لدى الكثير من الأميركيين.
وعلى قاعدة العلاقة مع الماضي تجري عملية التصنيف العرقي، حيث يلعب «لون بشرة الجلد الإنساني» دوراً اساسياً في مثل هذا التصنيف. هكذا تتحدث المؤلفة عن «البياض» و«السواد» و «ما بينهما» كمعايير أساسية في مثل هذا التصنيف. والإشارة أن المرجعية إلى «بياض لون البشرة» ترافقت مع مدلول ثقافي «أرفع» من الآخرين، وبالنسبة إلى العديد من المؤرّخين مدلول «عرقي» أرفع هو الآخر. لكن أميركا اللاتينية عرفت كيف تصوغ من هذا كلّه «نسيجاً وطنياً» في مختلف بلدانها.
في المحصّلة تمثّل تحليلات هذا الكتاب سلسلة من الدروس عن الكيفية التي تعاملت فيها بلدان أميركا اللاتينية مع تنوّع مكوّنات مجتمعاتها التي ورثت الكثير منها من الحقبة الاستعمارية الإسبانية والبرتغالية.

